الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
108
شرح ديوان ابن الفارض
( ن ) : قوله حاضر ، أي لا غيبة له عني لأنه وجودي الذي أنا موجود به في ظاهر الحال ولا يغيب أحد عن وجوده وإن غاب عن خصوص كونه وتعيينه لأن ذلك أمر عدمي في الحقيقة . وقوله ومتى بدا ، يعني أنه متى استترعني بإظهار صورته العدمية لي فأراني إياها موجودة بوجوده من غير أن أعرف أنها موجودة بوجوده وهي الغفلة التي قال تعالى : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [ الكهف : الآية 28 ] وذلك لأنه تعالى يملك القلوب والأبصار ويقلبها على حسب ما يريد ويختار . والجرعاء أرض طيبة النبات والمعنى بمنعرج الجرعاء مكابدة السلوك بالذل والتقوى في طريق اللّه تعالى وجمع الهمة بالتوجه إليه سبحانه والإعراض عما سواه تعالى بالكلية وهي المجاهدة الشرعية فإن هذه الحالة يستقيم فيها أمره فيجد فيها قلبه فكأن محبوبه نازل فيها حيث يجده هناك ، لقوله عنه بدا ، أي خرج إلى البادية . ومنعرج الجرعاء من جملة البادية . فمنعرج الجرعاء ، كناية عن حالات السلوك في الطريق المستقيم الذي يدخل في إمكان المريد السالك تحت اختياره لاشتماله على تجرع الشدائد بترك العوائد فيصير ذلك المنعرج الذي هو موطن محبوبه موطنا له أيضا ولهذا قال منعرجي . اه . ليهن ركب سروا ليلا وأنت بهم بسيرهم في صباح منك منبلج فليصنع الرّكب ما شاؤوا بأنفسهم هم أهل بدر فلا يخشون من حرج [ الاعراب والمعنى ] قوله « ليهن » تقرأ بكسر اللام وفتح الياء وسكون الهاء وفتح النون أي ليصير صاحب هناء . و « ركب » فاعله وأصله الهمز فقلبت الهمزة ألفا وحذفت الألف للجازم وهو لام الأمر مثل ليخش زيد . و « الواو » في « سروا » للركب عبارة عن القوم الذي يركبون الإبل وهو اسم جمع أو جمع وهم من العشرة فصاعدا وقد يكون للخيل . و « ليلا » متعلق بسروا . والسرى وإن كان مخصوصا بالليل لكن قد يذكر الليل مع الفعل تأكيدا وإيضاحا على حد قوله تبارك وتعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : الآية 1 ] و « الواو » للحال . و « أنت » مبتدأ . و « بهم » خبر . و « في صباح » متعلق بسروا . و « منبلج » صفة صباح . و « منك » صفة صباح . وهي إشارة إلى أن الصباح الذي سروا فيه منه وبسببه . و « بسيرهم » متعلق بما تعلق به الخبر إذ المعنى وأنت معهم في سيرهم . و « الباء » بمعنى في . و « المنبلج » المنير الساطع . و « الفاء » للتفريع أي حيث كان الركب قد سروا في صباح منبلج منك فليصنعوا بأنفسهم ما أرادوا فإنهم أهل بدر وهذه إشارة إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم في حق الغزاة من أهل بدر وهذا تلميح وهو من المحسنات