الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
80
شرح ديوان ابن الفارض
ومن حين فارقت الحقائق الإنسانية الثابتة حول المنزلين اللذين لي في الطريق الإلهي . اه . لم يرق لي منزل بعد النّقا لا ولا مستحسن من بعد ميّ راق لزيد المكان يروق ، أي صفت له معيشته فيه . والمنزل : مكان نزول الشخص وهو موطنه الذي يستقر فيه . و « النقا » : القطعة المحدودبة من الرمل وكأنه هنا عبارة عن مكان مخصوص . وقوله لا تأكيد للنفي المفهوم من قوله لم يرق لي . والمستحسن : اسم مفعول من استحسنت الشيء عددته حسنا . و « ميّ » بفتح الميم ترخيم ميّة : وهي محبوبة معروفة كان يتعشّقها ذو الرّمّة غيلان . والمراد هنا المطلوب للشيخ معين لا محبوبة غيلان المعروفة التي كان يتغزّل بها وذلك كما تقول رأيت حاتما وتريد منه وصفه المشهور هو به ، أي الجواد فيكون استعارة . الإعراب : لم : نافية جازمة للمضارع قالبة معناه إلى المضيّ بعد استقباليته . ويرق : مجزوم حذفت عينه الواو لالتقاء الساكنين . ولي : متعلق بيرق . ومنزل : فاعله . وبعد النقا : متعلق به . ولا : نافية مؤكدة لما سبق . والواو : عاطفة ، ولا : نافية . ومستحسن : عطف على منزل ، وفائدة لا الواقعة بعد واو العطف التنصيص على أن كلّا من المنزل الحاصل بعد النقا والمطلوب المستحسن بعد ميّ لم يصف له على انفراده ولولا ذكرها لأوهمت العبارة أن المراد أن الأمرين من حيث المجموع ما راقا له ، ويمكن أن يروق له أحدهما على انفراده ، وذلك غير مراد ، ومثله ما ذكره القوم من نحو قولك ما جاءني زيد وعمرو ، وقولك ما جاءني زيد ولا عمرو حيث نصّوا على أن العبارة الثانية ناصّة على أن كلّا منهما لم يحضر لا على سبيل الانفراد ولا على سبيل الاجتماع بخلاف الأولى فإنها موهمة لمثل ما ذكرناه في البيت . ومن بعد ميّ : متعلق بيرق الذي دلّ عليه العطف . والمعنى : ما صفا لي منزل بعد مفارقة النقا ولا صفا لي محبوب استحسنته بعد مفارقتي لمحبوبتي التي فزت منها باللقا . وحاصل الأمر أنه يقول : فارقت مسكني وسكني فلم ألق بعدهما ما يغني عنهما ، فإن الوطن المألوف محبوب والحبيب الأول لا تسلوه القلوب : نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأول منزل وترخيم ميّة في البيت ليس قياسا إذ ليس منادى ولكن الشعر محل الضرورة .