الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

81

شرح ديوان ابن الفارض

( ن ) : النقا كناية عن المقام المحمدي الذي هو النقى من نقي كرضي ، نقاوة وأنقاه وتنقّاه وانتقاه اختاره وهو صلى اللّه عليه وسلم النبي المختار من بين جميع قبائل العرب . وميّ : كناية عن الحضرة الوجودية المحتجبة بصور الأكوان العدمية . والحاصل أنه يقول من حين كشفت لي قرى الشام ، أي عالم الغفلة والغرور الذي كنت فيه سابقا فأعرضت عن ذلك ودخلت طريق الحق ، ومن حين فارقت مقامات المجاهدات في طريق السلوك لم يعجبني منزل ولا مقام بعد المقام المحمدي الجامع لجميع المقامات ، ولا راق لي شيء أستحسنه من بعد هذه المحبوبة المحتجبة عني بي وبكل شيء . اه . آه وا شوقي لضاحي وجهها وظما قلبي إلى ذاك اللّميّ [ الإعراب ] « آه » : بالمدّ والهاء المكسورة كلمة تقال عند الشكاية أو التوجّع ، ولفظة وا داخلة على شوقي مخصوصة بالدخول على المندوب ، ولكن يراد أن يقال الشوق كيف يكون مندوبا والجواب أن المندوب قسمان ؛ أحدهما : ما يتوجّع لفقده ، والثاني : ما يتوجّع لوجوده . فالشوق من القسم الثاني فإنه يتوجع لوجوده عند فقد من يشتاق التوجّع إليه ، هذا إذا قلنا بأن وا لا تدخل إلا على المندوب . وأما إذا قلنا بجواز استعمال وا في النداء الحقيقي فلا حاجة إلى ما ذكرناه من التأويل ، فيكون الشوق منادى حكما ، أي نزل منزلة من له صلاحيّة النداء ، ثم أدخل عليه حرف النداء فهو في حكم من يطلب إقباله . وضاحي وجهها من إضافة الصفة إلى موصوفها . والمعنى : لوجهها الضاحي ، والضاحي هو المشرق ، والضمير يعود إلى ميّ . وظما قلبي عطشه وأصله الهمز فخفّف بقلب الهمزة ألفا لانفتاح ما قبلها ، والظما إلى الشيء الشوق إليه . واللّميّ مصغّر لميّ وهو وإن كان عبارة عن سمرة الشّفة لكن يمكن أن يكون عبارة عن نفس الرّيق للمجاورة إن كان الظما بمعنى العطش ، وإن كان بمعنى الشوق فيبقى اللّميّ على معناه ، وذاك إشارة إلى اللّمى وهو للبعيد فيراد بعد المرتبة لأن كل واحد لا يصل إليه . ( ن ) : المعنى أنه أبدى الشكاية والتوجّع من كثرة شوقه لوجه هذه المحبوبة الظاهر له تحت براقع صور الأكوان ، قال تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : الآية 115 ] ، وقال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] ، وقوله : وظما بحذف ألف النّدبة تخفيفا ، وأصله واظما ، وأضاف الظما إلى القلب لأنه موضع المعرفة الحقيقة . واللّميّ : كناية عن حضرة الكلام الإلهي الذي ليس بحرف ولا صوت . اه .