الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

47

شرح ديوان ابن الفارض

مشتاق إلى أن يراكم في النوم ويرتوي من عطش الشوق بطيف خيالكم ، فالفعل المقدّر مع فاعله حال أيضا وإنما جمع بين الرؤيا والريّ لكونه ذكر الظمآن إلى الطيف فالرؤيا لمناسبة ذكر الطيف والرّيّ لمناسبة ذكر الصادي . وفي البيت جناس شبه الاشتقاق في صادي وصدّا ، وبين الرؤيا والريّ اللف والنشر لا على الترتيب في ذلك لأن الرؤيا ترجع إلى الطيف المتأخّر ، والريّ إلى الصادي المتقدّم . ( ن ) : وسبب الظمأ أنه شرب من البحر المحيط ، وهو بحر التوحيد بعد فناء الأغيار وظهور المتجلّي الحقّ ، فإن هذا البحر كلّ من شرب منه لا يزال إليه ظمآنا وإن كان به ملآنا فهو مجتهد ليرى طيف محبوبه ويرتوي فلا يمكنه الرّيّ ولا دواء له غير الفناء والاضمحلال بالكليّة والاستحالة . اه . حائرا فيما إليه أمره حائر والمرء في المحنة عيّ [ المعنى ] الحائر الأول : اسم فاعل من حار يحار حيرة لم يهتد لسبيله . والحائر الثاني : اسم فاعل أيضا لكن من الحور ، وهو الرجوع ، فالأول أجوف بالياء ، والثاني بالواو والعين فيهما قلبت همزة قياسا . و « المحنة » : اسم بمعنى الضّرّ . والعيّ : من عيّ إذا لم يهتد لوجه مراده ، أو عجز عنه ولم يطق أحكامه . الإعراب : حائرا : حال أيضا من الصّبّ . وفي : متعلقة به ، وما : موصولة واقعة على الوصف الذي يرجع إليه حال الصّبّ . وإليه : متعلق بحائر الثاني . وأمره : مبتدأ . وحائر : خبره . وفي : متعلقة بعيّ ، والجملة تذييلية مؤكدة حيرة الصّبّ التي فهمت من حاله . وفي البيت الجناس التام بين حائر وحائر ، والجناس المقلوب بين أمر ومرء ، ولنا فيما يناسب حيرة المحبّ : ما زلت أطلبه في كل ناحية * فينظر الناس مني فعل حيران ( ن ) : يعني أن الصّبّ المتقدّم ذكره متحيّر فيماذا تكون نهاية أمره ، فهل يختم له بالسعادة أو بالشقاوة ، وهذا الأمر قد قطع قلوب الصديقين حتى قال قائلهم : منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى * وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا وهذه الحيرة هي محنة يعجز الإنسان عن حملها وقد قال تعالى : لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [ البقرة : الآية 264 ] فهم على ما يكسبونه من الخير أو الشّرّ غير قادرين فكيف يقدرون على ما لا يكسبونه . اه . فكأيّن من أسى أعيا الإسا نال لو يغنيه قولي وكأيّ