الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

37

شرح ديوان ابن الفارض

المعنى : وإن مررت أيّها السائق بحيّ موصوف بأنه من عريب الجزع مستقر في الموضع المعروف بذات الشيح فحيّهم عنيّ فمفعول حيّ محذوف دلّ عليه ما قبله وفي البيت الجناس المستوفي بين حيّ وحيّ . ( ن ) : كنّى بذات الشيح عن مقام الحيرة في اللّه يشمّ رائحة طيبة من غير أن يدرك شيئا ، وأشار بالشيح إلى أنه ليس ثمّ شيء يدرك بالبصر إلا صور كثيفة ، وليس المقصود تلك الصور وإنما هناك لها رائحة عطرية هي حظّ القلوب من إدراك هذا المحبوب . قال تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : الآية 103 ] ، ومن هنا سمّيت الروح لأنها رائحة الأمر الإلهي ، والحي القبيلة كناية عن المناظر العلا ، والجزع الذي هو منعطف الوادي إشارة إلى أن هذا الحيّ انعطفت عليه جميع الآمال وألقيت في ساحته عصا التّرحال وكأنه يقول للسائق : إن مررت بالأظعان في المقام المكنّى عنه بذات الشّيح حيّه عنّي وذلك من قبيل قوله صلى اللّه عليه وسلم بعد سلامه من الصلاة : « اللّهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام » اه . وتلطّف واجر ذكري عندهم علّهم أن ينظروا عطفا إليّ « تلطف » : فعل أمر من التلطّف بمعنى الترفّق . « واجر » : أمر من باب الأفعال ، ووصل همزته حينئذ ضرورة ، ومعنى اجر ، أي : اطرح ذكري لديهم بما سيأتي من الأوصاف في قوله : قل تركت الصب إلى آخر قوله : حائرا مما إليه أمره ، حائر وعلّهم لغة في لعلّ التي للترجّي . والعطف : مصدر عطف عليه إذا أشفق . الإعراب : تلطف : عطف على حيّ . واجر : كذلك ، وفاعله ضمير المخاطب . وذكري : مفعول ومضاف إليه . وعندهم : متعلق باجر . وعلّهم : عل مع اسمها ، وأن مع ينظروا : في تأويل مصدر مرفوع على أنه خبرها والمصدر بتأويل اسم الفاعل أو على حذف المضاف ، أي علّهم أصحاب نظر . وعطفا : منصوب على أنه علّة لينظروا . وإليّ : متعلق بقوله : ينظروا ومتعلق عطفا محذوف ويجوز كون المصدر حالا من الواو في ينظروا بتأويله باسم الفاعل ، أي : عساهم أن ينظروا إليّ عاطفين عليّ وتقييد النظر بالعطف للاحتراز عن النظر بالقهر والعياذ باللّه تعالى ، وإنما طلب من السائق التلطّف بهم قبل إجراء ذكره عندهم لأنه طلب حاجة من قوم أعزّة فلا بدّ من تلطّفه لديهم وخضوعه بين يديهم لينال منهم المراد ويفوز منهم بالإسعاد . [ المعنى : ] ( ن ) : الخطاب لسائق الأظعان فإنه لمّا كان سائقا لها وهي كثيفة من عالم الأجسام دعاه إلى التلطّف ليناسب ذلك الحيّ ، وقال بعد التلطّف : اذكرني عند ذلك