الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

346

شرح ديوان ابن الفارض

وجملة تسعّرا من الفعل والفاعل صفة حشى فتكون في موضع نصب . وقوله « بلظى هواك » : متعلق بتسعرا ، أي ارحم حشى قد تسعّر وتوقّد بلظى محبتك . قوله « وإذا سألتك أن أراك حقيقة فاسمح » الخ . . . في البيت تلميح إلى قصة موسى عليه السلام حيث طلب من ربّه الرؤية فإنه أجيب بلن تراني في قوله تبارك وتعالى : قالَ لَنْ تَرانِي [ الأعراف : الآية 143 ] واعلم أن كثيرا من الصوفية يعترض على هذا البيت ، ويقول إذا كان موسى قد منع الرؤية عندما طلبها ، فكيف ترقّت همّة الشيخ رضي اللّه عنه إلى طلبها ؟ والجواب أن مراده الرؤية في الآخرة بدليل التعبير بقوله : وإذا ، فإنها تدلّ على الزمان المستقبل على أنه إذا كان ممكنا فيجوز الطلب لكل من يمكنه ذلك ، ولا يدع في أن يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل من الخصوصيات ، ولا يلزم من الطلب الحصول أيضا فتدبّر . وما أحسن قول أبي الفوارس : لو نيل بالفضل مطلوب لما حرم الر * ؤيا الكليم وكان الحظ للجبل وقد أشار إلى ذلك الشيخ رضي اللّه تعالى عنه حيث قال : ومني على سمعي بلن إن منعت أن * أراك فمن قبلي لغيري لذت فإنه طلب في هذا البيت أن يجاب بصورة النفي قوله فاسمح ، أي بما طلبته منك ، وهو أن أراك حقيقة لا مجازا . وهو رضي اللّه عنه ما طلب سوى رؤية مولاه ، ولا قطع العمر في السلوك إلا في طلب وفاه . وذلك معلوم من واقعته عند الاحتضار . وقال رضي اللّه عنه في التائية أيضا : أروم وقد طال المدى منك نظرة * وكم من دماء دون مرماي طلت وقد علمت ما ذكره القوم في علم العقائد من الاختلاف في جواز الرؤية في الدنيا وعدمه ، وفي وقوع ذلك في القيامة وعدمه ، وهو مشهور فلا حاجة إلى ذكره . ( ن ) : الحيرة في اللّه تعالى عين الهداية إليه ، ولهذا طلب الزيادة منها . وفي قوله وإذا سألتك إشارة إلى أنه ما سأله إلا لعلمه بأنه لا يظهر للمخلوق بغير مظهر ، لأن الوجود الحق المطلق عن جميع القيود لا يرى لتنزّهه عن المادة . وأشار بقوله إذا سألتك ، ولم يقل وإن سألتك إلى أن سؤاله سيتحقق منه لإمكانه ، وعدم امتناعه لأنه لما سئل هل أحاط أحد باللّه علما ، فقال : نعم إذا حوّطهم يحيطون . وقوله لن ترى إشارة إلى ما أجيب به موسى ، ولعل طلب موسى عليه السلام للرؤية كان مع بقائه على مادته في جبلته ، ولهذا كان جوابه لن تراني ، يعني وأنت على ما أنت فيه من