الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
347
شرح ديوان ابن الفارض
المادة الطبيعية والنشأة الروحانية الإنسانية ، فإن الرؤية بالتجرّد المذكور كانت مدّخرة للحقيقة المحمدية والنشأة الأحمدية من غير سؤال ولا طلب ، ولورثته الأولياء المحمديين نصيب من ذلك ، ولهذا ودّ موسى عليه السلام أن يكون من أمته . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لو كان أخي موسى حيّا ما وسعه إلا اتّباعي » . ولمّا كان الناظم من الأولياء المحمديين ومن ورثة محمد صلى اللّه عليه وسلم قال : لا تجعل جوابي لن ترى كما أنك لم تجعل جواب مورثي ذلك . فإن قلت إن طلب الناظم هنا يخالفه في التائية الكبرى حيث قال : ومني على سمعي بلن إن منعت أن * أراك فمن قبلي لغيري لذت قلت : للأولياء الكاملين مقامات ينتقلون فيها من حال إلى حال . فحاله الأوّل اقتضى له أن يقول ذلك ، وحاله الثاني اقتضى له أن يقول بخلاف ذلك . اه . يا قلب أنت وعدتني في حبّهم صبرا فحاذر أن تضيق وتضجرا [ الاعراب ] « يا قلب » بكسر الباء اكتفاء بها عن المضاف إليه وهو ياء المتكلم ، ويجوز الضم بناء على أنه نكرة مقصودة . وقوله « أنت وعدتني في حبهم صبرا » : فيه استعمال وعد متعديا إلى مفعولين : أحدهما : الياء في وعدتني ، والثاني : صبرا . وفي حبهم متعلق به ، وهو وإن كان مصدرا لا يتقدم عليه معموله لكن يغتفر فيما إذا كان المعمول ظرفا أو شبهه . قوله « فحاذر » : بمعنى احذر إذ قد يستعمل من باب المفاعلة بغير ملاحظة الاشتراك وهو كثير في كلامهم ، قوله « أن تضيق » : أي احذر أيها القلب من أن تضيق وتملّ من اصطبارك في محبتهم ، واحذر من أن تضجر وتسأم يا قلب لأن الوفاء بالوعد كالقيام بالعهد من أعظم اللوازم بل هو على الحرّ ضربة لازب ومن أراد مراتب الأعالي ومنازل المعالي فليصبر على اقتحام الشدائد وتقييد الأوابد ، وأراد أن يذكر لقلبه علّة أمره بالثبات على الصبر فقال : إنّ الغرام هو الحياة فمت به صبّا فحقّك أن تموت وتعذرا وما ألطف الحصر المفهوم من تعريف الطرفين مع تأكيده بضمير الفصل ، وهو « هو » : أي لا حياة إلا الغرام فإذا متّ فيه فقد اكتسبت وصف الحياة . فلذلك قال : « فمت به » ، أي بسببه أو فيه على أن الباء ظرفية . و « صبّا » : حال . وقوله « فحقك أن تموت وتعذر » : تعليل لقوله فمت به لأنك معذور في موتك لأنك حيّ إذا متّ فيه ، ويا سعادة من مات ولم يخرج حرف الشكاية من فيه ، ولقد باح وناح واستراح حيث قال قل للذين الخ . . .