الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

333

شرح ديوان ابن الفارض

شيء ؟ أي بأي سبب ثناك ومنعك عني الدلال يا مليح الدلال وجميل الخصال ، فالضنا : فاعل ثناني . وعنك : متعلق به ، وقوله بماذا : متعلق بقوله ثناك . وكذلك عني . وقوله يا مليح الدلال : معترضة بين المتعلّق والمتعلّق وفاعل ثناك يعود إلى الدلال في قوله يا مليح الدلال . والمعنى : ما ردّني عنك المرض الذي لا يرجى شفاؤه ، فبأيّ سبب ثناك عني دلالك ، ومنعك عني جمالك . هذا ولك أن تقول إن ثناك بمعنى المدح ، أي حيث ثبت عندك أن المرض المذكور ما منعني عنك ، فبأي شيء تثني عليّ بين المحبّين وتذكرني بين العاشقين ، هل تذكرني بينهم بالوفاء على اختلاف الأحوال وانقطاع الآمال ؟ وقد نظرت إلى هذا البيت حيث قلت من قصيدة : لم يفنني عنك سقم قد برى جسدي * فما الذي يا قويم القدّ يثنيكا ( ن ) : الخطاب للمحبوب الحقيقي . وقوله الدلال : كناية عن امتناع بعض المظاهر الإلهية عنه ، وإقبال البعض عليه ، وفاعل ثناك ضمير الضنا ، والمعنى لم يتحوّل قلبي عن محبتك بسبب زيادة الأمراض التي اعترت جسدي وأسقمتني فبأيّ سبب من الأسباب ، وبأيّ اقتضاء في الضنا حتى صرفك عني فلم تقبل عليّ وكان ذلك منك بسبب زيادة سقامي في محبتك ، وشدّة مرضي في مقاساة مودّتك كما قال القائل : رحلتم وقلتم أقم أو فسر * فخيّر تموني وحيّر تموني نأيتم وقلتم براك السقام * فغيّر تموني وعيّر تموني لك قرب منّي ببعدك عنّي وحنوّ وجدتّه في جفاكا [ المعنى ] يريد بذلك أن لك قربا عندي في الفؤاد وإن كنت موصوفا بحسب الجسم بالبعاد ، فالقلب يدنيك وإن كانت الأيام تقصيك ، وجفاك أراه حنوّا كما وجدت بعدك دنوّا . و « مني » متعلق بقرب . كما أن « عني » متعلق ببعدك . « وحنوّ » : معطوف على قرب ، أي ولك حنوّ وعطف على وجدته في جفاكا . والباء في « ببعدك » بمعنى في الظرفية ، وإنما كان القرب يوجد في الجفاء والصّدّ لأنه يعلم أن بعادهم عنه وانقطاعهم منه إنما هو لعلمهم أنه محبّ صابر وعلى البلاء مصابر وعلى الحبّ مثابر ، فالبعد مبني على المحبة والجفاء والمودّة والصفاء . وهذا البيت مملوء بالمحاسن واللطائف لأنه فيه القرب والبعد ، ومني وعني ، والحنوّ والجفاء ، وفيه الإغراب وهو