الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

327

شرح ديوان ابن الفارض

[ المعنى ] المصراع الأول آخره « شكواي » ، وياء المتكلم فيها أول المصراع الثاني . وكم هنا تكثيرية . وصدود : مجرور بمن المقدّرة وهو تمييز كم المذكور ، وكم : محلها الرفع بالابتداء ، وخبرها محذوف ، أي كثير من الصدود موجود . وقوله ترحم شكواي : أي ترجّ للرحمة بعد الشكاية من كثرة الصدود . ثم اعلم أن الشيخ الرضي رضي اللّه عنه قال : الذي أرى أن عسى ليس من أفعال المقاربة إذ هو طمع في حق غيره تعالى وإنما يكون الطمع فيما ليس الطامع على وثوق من حصوله فكيف يحكم بدنوّ ما لا يوثق بحصوله ، ولا يجوز أن يقال معناه دنوّ الخبر كما هو مفهوم من كلام الجزولي والمصنّف . أي أن الطامع يطمع في دنوّ مضمون خبره فقولك : عسى أن يشفى مريضي ، أي أني أرجو قرب شفائه ، وذلك لأن عسى ليس متعيّنا بالوضع للطمع في دنوّ مضمون خبره بل لطمع حصول مضمونه مطلقا سواء ترجى حصوله عن قريب أو بعد مدة مديدة . تقول : عسى اللّه أن يدخلني الجنة ، وعسى النبي أن يشفع لي : فإذا قلت : عسى زيد أن يخرج ، فهو بمعنى لعله يخرج ولا دنو في لعل اتفاقا . اه . وفي قوله « عساك » الثاني ردّ العجز على الصدر لتكراره ، ولكن وقع في اللفظ لطف كامل وذلك لأن قوله « ولو باستماع قولي عساكا » يحتمل أن يكون المراد ولو كانت رحمتك لشكواي باستماع قولي أي مقولي أي ما أقوله . وعساك الثاني حينئذ يكون مجرد تكرار وتوكيد للأول ويحتمل أن يكون المعنى ولو باستماع قولي لفظة عساكا ، فيكون مقول القول عساك . يعني أنا راض منك أن تسمع لي لفظة عساك فإنها تدلّ على الرجاء المطلق وإيقاع ترحّم على نفس الشكوى مجاز إذ الرحمة لصاحب الشكوى ، وهو من قبيل المجاز في الحكم وإن كان إيقاعا كما حقّق في موضعه فتأمل . اه . شنّع المرجفون عنك بهجري وأشاعوا أنّي سلوت هواكا ما بأحشائهم عشقت فأسلو عنك يوما دع يهجروا حاشاكا كيف أسلو ومقلتي كلّما لا ح بريق تلفّتت للقاكا [ المعنى ] اعلم أن البيت الأول يتضمن أمرين ؛ أحدهما : أن المرجفين شنّعوا ونقلوا عنك أنك هجرتني ، فالمصدر في هجري مضاف إلى مفعوله أي بهجرك إياي . الثاني : أنهم أشاعوا عليّ أني سلوت هواك وتباعدت عن حماك . وأما البيت الثاني فإنه يتضمن ردّ الأمرين اللذين في ضمن البيت الأول لكن على سبيل اللف والنشر المشوّش ، لأن قوله « ما بأحشائهم عشقت فأسلو » ردّ لقوله « وأشاعوا أني سلوت هواكا » . وقوله « دع يهجروا حاشاكا » ردّ لقوله شنع المرجفون عنك بهجري ، فالنشر ليس على ترتيب