الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
328
شرح ديوان ابن الفارض
اللف ، وقوله دع يهجروا له ثلاث احتمالات : الأول : أن يكون من تتمة قوله « ما بأحشائهم عشقت فأسلو عنك يوما » ، ويكون حينئذ قوله حاشاكا كافيا في ردّ قوله شنع المرجفون عنك بهجري كما سنقرره إن شاء اللّه تعالى . الثاني : أن يكون مع ما بعده ردّا لقوله شنع المرجفون عنك بهجري . الثالث : أن يكون ردّا لهما معا ، أي دعهم يهجروا فيما ادّعوه وأشاعوه وأذاعوه وشنّعوه من كونك تهجرني ، ومن كوني سلوت هواك هذا . واعلم أن قوله دع يهجروا المتبادر منه أن يكون من الهجر بضم الهاء وسكون الجيم ، وهو الكلام الفاحش . ويحتمل على بعد أن يكون من الهجر بفتح الهاء بمعنى الترك . وقوله « كيف أسلو » إلى آخر البيت تأكيد لردّ قول المرجفين أني سلوت هواك كما سنقرره إن شاء اللّه تعالى . والألف في لاح آخر المصراع الأول والحاء فيها أول المصراع الثاني . ولنرجع إلى حلّ الألفاظ الواقعة في الأبيات الثلاثة وبيان معانيها ، فنقول « شنع » : أي أثار الشناعة . و « المرجفون » : الخائضون في بحار الفتن ومنه المرجفون في المدينة . و « عنك » : متعلق بشنع ، أي شنع الخائضون في بحار الفتن عنك أنك هجرتني ، وأشاعوا أيضا أني سلوت هواك فكذبوا عليك حيث نسبوك إلى أنك هجرتني ، وكذبوا عليّ حيث نسبوني إلى أني سلوت محبتك . فأما ما ادّعوه عني من سلوّي هواك فهو كذب لأن حشاي التي عشقتك بها ليست حشا القوم الذين أرجفوا وشنعوا عني وعنك بالأمرين المذكورين ، لأن حشاهم معتادة بسلوّ الأحباب لأنهم يعشقون في الباب ويسلون في الأعتاب . وأما حشاي فليس لها عن حبيبها سلوة ، ولا تطلب من جماله جلوة ، ولا تريد خلوة ولا تشكو من تطاول الجفوة ، فهم يقيسون حشاي على حشاهم ، ويظنون هواي مثل هواهم ، وأين الثريا وأين الثرى ، وأين من لم يدر ممّن درى . وقوله « عنك » متعلق بأسلو . و « يوما » : قيد له أيضا ، أي فأسلو عنك يوما من الأيام . وقوله « دع يهجروا » قد تقدم ما له من الاحتمالات ، وقوله « حاشاكا » ردّ لما زعموه من كون الحبيب قد هجره . أي حاشاك وتنزّهت عن أن تتّصف بهجر المحبّين ، أو أن توصف بنسيان المخلصين . وقوله « كيف أسلو » إلى آخر البيت الثالث ، تقرير لعدم سلوانه وتأكيد أشجانه فكيف استفهام إنكاري بمعنى النفي ، أي : لا أسلو . والواو في « ومقلتي » واو الحال ، « ومقلتي » : مبتدأ . و « كلما » بالنصب على الظرفية لأن كل تابعة لما أضيفت إليه وما عبارة عن الوقت ، أي كل وقت وبريق على صيغة التصغير الذي هو للتحبيب . قال رضي اللّه عنه : ما قلت حبيبي من التحقير * بل يعذب اسم الشخص بالتصغير