الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
326
شرح ديوان ابن الفارض
ونقل كثير ممّن يعتني بأخبار الشيخ رضي اللّه عنه أنه لمّا قال : وبما شئت في هواك اختبرني * فاختياري ما كان فيه رضاكا ابتلاه اللّه تعالى بحصر البول فكان يصيح لذلك ويتوجّع إلى أن قال هذين البيتين مشيرا إلى عدم قواه ، وإلى أنه وإن طلب الاختبار فقد فقد الاختيار ، وعدم الصبر والقرار آناء الليل وأطراف النهار . وقد بلغني من أفواه الناقلين أنه كان يصيح بين البيوت وينادي الأولاد ويقول لهم : اصفعوا عمّكم عمر الكذاب حيث طلب الاختبار ونفى عن نفسه الاختيار . كنت تجفو وكان لي بعض صبر أحسن اللّه في اصطباري عزاكا [ الاعراب ] قوله رضي اللّه عنه « كنت تجفو » ليس المراد منه الإخبار عن وقوع الجفاء في الزمن الماضي فقط حتى يلزم أن يكون قد ترك الجفاء الآن ، بل المراد كنت تجفو مع وجود بعض الصبر مني ، وأما الآن فإنك تجفو ولا صبر عندي . قالوا وفي قوله : « وكان لي بعض صبر » : واو الحال . وقوله « أحسن اللّه في اصطباري عزاكا » : جملة إنشائية لإنشاء تعزية الحبيب في صبر المحبّ فيدلّ على فقد الصبر بموته لأن الصبر لو فقد من غير موت لكان يرجى رجوعه لكنه لمّا كان مفقودا بالموت زال رجاء رجوعه كما قال عبيد بن الأبرص : لكل ذي غيبة إياب * وغائب الموت لا يؤب وقد أشار الأستاذ الشيخ محمد البكري رضي اللّه عنه إلى هذا البيت حيث قال : قد كان لي قبل هذا الهجر مصطبر * واليوم جئتك في صبري أعزّيكا واعلم أن العزاء بالمدّ عبارة عن الصبر أو حسنه ، فاستعمله رضي اللّه عنه مقصورا وأراد بقوله عزاكا المعنى الاصطلاحي لا اللغوي وإن أردت المعنى اللغوي فهو ممكن أيضا فتأمل . [ المعنى ] ( ن ) : قوله كنت تجفو : إشارة إلى أيام غفلته وجهله بربّه . وقوله وكان لي بعض صبر : أي عن لقائك وشهود تجلّيك في كل شيء والإشارة بالبعض إلى أيام سلوكه في الطريق بالأعمال الصالحة فإنه يشتاق إلى الحق مع الغفلة عنه فله بعض صبر عن مشاهدته ، وقوله أحسن اللّه الخ . . . كناية عن ذهاب صبره الآن بالكلية لبلوغه مرتبة العرفان وتحقّقه بحقائق الوجدان . اه . كم صدود عساك ترحم شكوا ي ولو باستماع قولي عساكا