الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
32
شرح ديوان ابن الفارض
ورأيت منه بوارق ساطعة ، وبشائر في آفاق القلوب طالعة ، وتمسّكت بحبل اعتقاده ، وتحقّقت بحقيقة إنشاده ، وتقرّبت إلى وروده بإيراده ، وألزمت اللسان بتلاوة أوراده ، فلما منّ اللّه عليّ بالوصول إلى ملكة الكشف والإيضاح ، ونزلت في منازل البيان والإصلاح ، رأيت كثيرا من الأنام ، وجملة من الفضلاء الكرام ، يورد أبياته على خلاف ورودها ، ويلبسها من البيان غليظ الكرباس بعد رقيق برودها ، وشاهدت جمعا ممّن يدّعي إدراك الفضائل ويزعم أنه منتظم في سلك عقد الأفاضل ، ينسب إليها الأجنبي من المعاني ، وينزلها في غير وطنها من المغاني ، فردّدت الأفكار في شرح هاتيك الأشعار ، ثم أحجمت عن ذلك واستوعرت هاتيك المسالك ، لبعدّ المرتقى في تلك الذّرى ، وصعوبة الإقامة في ذلك الذّرى إلى أن أشار عليّ من تشرّف بخدمة الطريق ، وسلك في مجاز السّالكين على التحقيق ، أن أعلّق على الديوان المذكور شرحا يبيّن ما أشكل من معانيه ، ويوضّح ما أعضل من مخدرات مبانيه ، فصمّمت من غير إحجام ، وتقدّمت بغاية الإقدام ، مستعينا باللّه على إدراك هذا المرام ، مستغيثا بنبيّه عليه أفضل الصلاة والسلام ، مستمدّا من روح الأستاذ عائذا به في ذلك فإنه المعاذ ، فرأيت تردّدي قد زال ، وشهدت اليقين قد جال في القلب وما حال ، فعلمت أنه خاطر رحماني ، وتحقّقت أنه مقصد ربّاني ، وكيف لا يكون ذلك حقّا ، ولم لا يكون مقالا صدقا ، وهو خدمة لكلام من وقع الإجماع على ولايته ، وصدر الاتفاق على تحقيق عنايته ، وشاع في الأقطار ، كالشمس في رابعة النهار ، ولم يبق منشد في وجده ، ولا عاشق قي تهامته ونجده ، إلا وهام به في بواديه ، وزمزم بألفاظه في ناديه ، وهو يدخل القلوب فيجلو صداها ، ويروي في هجير الغرام حرّها وصداها ، فإن قال قائل : لست لذلك أهلا ، وكيف رأيت بيانه سهلا ، وأنت لست من القوم ، ولا استيقظت من غفلة ذلك النوم ، فجوابي له عن مقاله أن حالي وإن كان بعيدا عن حاله ، لكنني صادق في اعتقاده ، ووارد مناهل وداده ، والحبّ موجب للاقتراب ، مسهّل فتح الأبواب ، والحمد للّه على صدق محبتي لجنابه ، ودخولي إلى كل بيت له من بابه ، وباللّه أقسم قسما صادقة ، وجميع القلوب بها واثقة ، وكل النّواطق بصدقها ناطقة ؛ أنني ما استعنت في شرح هذا الديوان بشرح وقفت عليه ، ولا بيان على أنه لم يشرح قبلي من أحد ، ولا سمعت بوقوعه في بلد ، غير أن كثيرا من الإخوان وجمّا غفيرا من الخلّان أخبروني بأن المولى العلّامة الشيخ جلال الدين الأسيوطي رحمه اللّه شرح سائق الأظعان ، ولكنني ما نظرت الشرح المذكور ، ولا طالعت منه سطرا من السطور ، ومن نظر ما كتبت عليه من العبارات ، وأحاط بما سطّرته من محاسن التحقيقات ، علم أنه فتح