الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

315

شرح ديوان ابن الفارض

ما ألطف هذا البيت وما أدخله في مقام العرفان ، وما ذاك إلا أن الرب أولى بالعبد من نفسه لأن للربّ على العبد منّة الإيجاد ، وللعبد على نفسه حقوق الصحبة والمجاورة ، وأين أحدهما من الآخر . وعلى كل حالة : متعلق بأولى ، أي أنت أولى بي مني على كل حالة ، أي في القرب والبعد والوصل والصدّ . و « إذ » : تعليلية متعلقة باسم التفضيل . ولولا في مثل هذا التركيب حرف جرّ لدخولها على ضمير متصل ، هذا مذهب سيبويه وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه ، أي لولاك لم أكن ولم أوجد ، والظاهر أن أكن هنا تامة لما ذكرنا . وقد ذكر شيخ الإسلام البدر الغزي أن والده القاضي رضي الدين رضي اللّه عنهما أصبح يوما مهتمّا بشأنه فسمع هاتفا يقول : لا تدبّر لك أمرا * أنا أولى بك منكا وكفاني عزّا بحبّك ذلّي وخضوعي ولست من أكفاكا كفى : فعل يستعمل على أنحاء مختلفة . [ الاعراب ] وإعرابه هنا أن ذلّي : فاعل كفاني . وبحبك متعلق بذلّي . وعزّا : منصوب على التمييز . والمعنى : كفاني ذلّي بحبك عزّا ، وكأنه محوّل عن الفاعل على أن الأمل وكفاني عزّ ذلّي ، أي العزّ الناشئ لي من ذلّي بحبك . وخضوعي : معطوف على ذلّي . وقوله ولست من أكفاكا : على وزن أفعال مفردة كفء ، أي لست من أمثالك ولا من أقرانك ولا من الذين يصلحون لخدمتك . والمعنى : غاية ما أروم من العزّ حاصل في ذلّي بحبك وفي خضوعي لجلالك فما أنا من الأقران الذين ينسبون إليك بالمساواة ولا من الأشباه الذين يضافون إليك بالمواساة . بل عزّي بذلّي لديك وارتفاعي بخضوعي بين يديك . وفي البيت المقابلة بين العزّ والذلّ ، ونوع مجانسة بين كفاني وأكفاكا ، وهذه عادة الشيخ رضي اللّه عنه لا يخلى غالبا كلامه من نوع مجانسة بين الكلمات ومناسبة بين الألفاظ ولو بنوع مّا من المقاربة . اه . وإذا ما إليك بالوصل عزّت نسبتي عزّة وصحّ ولاكا فاتّهامي في الحبّ حسبي وأنّي بين قومي أعدّ من قتلاكا [ الاعراب ] إذا : ظرف لما يستقبل من الزمان متضمّن معنى الشرط . وما : زائدة . وإليك : متعلق بنسبتي . وبالوصل : كذلك كما يقال انتسب زيد إلى عمرو بالقرابة أو بالمحبة . وعزّت : فعل الشرط . ونسبتي : فاعله . وعزّة : مفعول لأجله إن كان المعنى فيهما