الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

307

شرح ديوان ابن الفارض

وقلت في معنى ذلك : صبرا على نوب الزمان فإنها * مخلوقة لنكاية الأحرار لا يكسف النجم الضعيف وإنما * يسري الكسوف لرفعة الأقمار ( ن ) : معنى البيت أن شمس الوجود الحق يتجلّى ويظهر في قمر التعينات الكونية فتظهر موجودة عند العقول والأبصار ، وتارة يستتر عنها فتفنى وتزول ، فلو أهدى لها نور وجوده الحق على الدوام ما فنيت ولا زالت ولا انخسف نورها . اه . وعلى تفنّن واصفيه بحسنه يفنى الزّمان وفيه ما لم يوصف [ الاعراب ] التفنّن : الإتيان بالفنون المختلفة مثلا إذا مدح البليغ ممدوحه بالنظم والنثر باللغة العربية والفارسية والتركية ، فيقال تفنّن فلان في مدح فلان أي أتى في مدحه بالفنون المختلفة . و « على » بمعنى مع . و « واصفيه » جمع واصف وهو جمع سلامة لكنه قد حذفت منه نون الجمع لإضافته إلى الهاء . وقوله « بحسنه » : متعلق بواصفيه لأن المراد تفنّن القوم الذين وصفوه بالحسن كما تقول وصفت زيدا بالجمال ونعت عمرا بالكمال . وقوله « يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف » : معناه أن الواصفين الذين تفنّنوا في وصفه بالحسن لا يستطيعون أن يبلغوا غاية وصفه ولا أن يستغرفوا ما فيه من وافر الجمال ولو استمروا على ذلك إلى انقضاء الزمان وتمام الدوران حتى أن الزمان يفنى في وصفه ، وقد بقيت فيه أوصاف لم يدركوها ولم ينعتوها ، فعلم أن أوصاف جماله أكثر من أوقات الزمان . وما أحسن سبك البيت . وعلى تفنن : متعلق بيفنى . وبحسنه : متعلق بواصفيه . والواو في قوله وفيه ما لم يوصف ، واو الحال ، وفيه : خبر مقدّم ، وما : مبتدأ مؤخر ، أي يفنى الزمان ، والحال أن في الحبيب أوصافا لم توصف إلى الآن لأنّ أوصافه لا يحصرها الحاسب ولا يحصيها الكاتب فهي أوسع من الزمان وأوفر من حوادث الحدثان : ولو أن ينبوع المياه محابر * وكل نبات في البسيطة أقلام وراموا بأن يحصوا إليك تشوّقي * لمّا أدركوا معشار عشر الذي راموا ولقد بلغني ممّن أثق به أن الشيخ رضي اللّه عنه قال : لو لم يكن لي بمدح الرسول صلى اللّه عليه وسلم سوى هذا البيت لكفى . فدلّ ذلك على أنه قصد به مدحه صلى اللّه عليه وسلم . [ المعنى ] ( ن ) : المعنى أن هذا المحبوب الحقيقي لو أتى الواصفون له بأنواع الفنون في وصف حسنه وجماله تذهب الدنيا وتنقضي ، وقد بقي من ذلك الحسن والجمال أمور