الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
308
شرح ديوان ابن الفارض
لم توصف ولم تذكر ولا شك في ذلك فإن أول مخلوق قبل كل شيء هو الحقيقة المحمدية وهو النور المادي الذي خلق اللّه تعالى منه كل شيء ، وجماله وحسنه هو كل الجمال وكل الحسن . فإذا وصف الواصفون ما عسى أن يصفوا لا يبلغوا ذلك . اه . ولقد صرفت لحبّه كلّي على يد حسنه فحمدت حسن تصرّفي [ المعنى ] أرباب الحقائق يقولون الشرط بذل النفس أوّل مرة والحب أعطه الكلّ حتى يعطيك البعض ، وعباراتهم وإن اختلفت في اللفظ متفقة في المعنى وما ذاك إلا أن مطلب المحبّين عزيز لا ينال إلا ببذل الروح في مقام الامتهان من حرزها الحريز . وما ألطف المناسبة في قوله : « صرفت لحبّه على يد حسنه » كأن الحب قد جعل الحسن وكيلا له في استيفاء ما له من الحقوق الواجبة على من اتّصف به . وقوله « فحمدت حسن تصرّفي » : لأن مآل الفناء وعاقبة الموت الحياة ، ومن كانت نتيجة تصرّفه الرّضا بالمطلوب والاجتماع بجمال المحبوب كان محمود التصرّف مفقود التأسّف : هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربا * من الحب فاختر ذاك أو خلّ خلّتي وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن * وها أنت حيّ إن تكن صادقا مت ( ن ) : ولقد : الواو للاستئناف ، واللام : موطئة لقسم مقدّر تقديره واللّه لقد صرفت لحبّه باللام ، أي لأجل محبتي له ، والضمير للمحبوب الحقيقي ، وقوله كلّي : أي باطني وظاهري . اه . فالعين تهوى صورة الحسن الّتي روحي بها تصبو إلى معنى خفي [ المعنى ] هذا البيت يشير إلى أن العين تنظر الصورة المحسوسة وتسوق ذلك إلى الروح فتستفيد منه خلاصته ، وهو معنى الحسن الذي يليق بالروح ، فالحسن سبب لسوق المعنى إلى جانب الروح ، ولعل المعنى الخفي الذي هو حصة الروح من نظر العين هو العشق لموجدها والحبّ لمبرزها ، ولذلك يقولون المحبّ الصادق لا يهوى الصورة المحسوسة وإنما هو فان في المعاني اللطيفة المأنوسة ، ولنا فيما يقرب من هذا المعنى : تحقّق أني فيه أصبحت مغرما * ولكنه لم يدر ما سبب الحب تعشقت منه حالة لست قادرا * على وصفها إذ لم يذقها سوى قلبي