الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
287
شرح ديوان ابن الفارض
نفسك وأحسن الصور الكونية أقبح ما يكون بالنسبة إلى عظمة جلالك وكمال جمالك فتكون أنت بذلك أشمت بي حسّادي . ويساعد هذا المعنى الأخير قوله بعده : واسأل نجوم الليل الخ . . . اه . واسأل نجوم اللّيل هل زار الكرى جفني وكيف يزور من لم يعرف [ المعنى ] وهذا البيت من محاسن البيوت الموصوفة بين أهل الذوق بألطف النعوت ، وهو مقرّر عدم نفع الخيال على تقدير إرساله إليه حيث كان الكرى لا يزور جفنه القريح ، ولم يلم بحمى جسده الجريح والشاهد على ذلك النجوم فإنها تراقبه وطائر السّهاد على جفنه يحوم وطرفه في لجّة دمعه يعوم ، وما ألطف استعارة الزيارة الرامزة إلى أن المتوقّع منه دخول الكرى إلى جفنه دخول زائر يتذكر أحبابه أحيانا فيتعهّد بالزيارة في الشهر أو العام مرّة أو مرّتين . وقوله « وكيف يزور من لم يعرف » : استفهام إنكاري يقتضي نفي الزيارة بتقريب يقتضي نفيها وهو عدم المعرفة . فإن قوله : « واسأل نجوم الليل هل زار الكرى * جفني . . . . . . . . . . . . . . » وإن كان يقتضي باعتبار مفهومه ملاحظة النفي من حاصل التركيب لكنها دعوى خلية عن التقريب بخلاف قوله « وكيف يزور من لم يعرف » فإنها دعوى بيّنة وحجة مبينة . وفي البيت إدماجان ؛ الأول أنه ملاحظ النجوم طول ليله فهو يرعاها ويستطيب مرعاها ، ولولا ذلك لما ساغ سؤال نجوم الليل عن زيارة الكرى لجفنه . والإدماج الثاني كونه لم ينم في عمره لأن عدم معرفة النوم للجفون دليل على أنه ما ألمّ بحماها ولا عرّج على موطنها ومرساها ، والذوق السليم بذلك شاهد وعليه من أدلته أعظم الشواهد . وقوله « وكيف يزور من لم يعرف » يشبه الرجوع البديعي لأن ما قبله يحتمل أن يكون أحد شقّيه بعد السؤال . الجواب بأن الكرى قد زار جفنه فرجع عنه رجوعا صريحا ينفي الاحتمال المذكور بالمرّة لما قرّرناه من التحقيق . فافهم ذلك فإنه من نفائس الأفكار وعرائس الأبكار ، وما ألطف قول إسحق النديم في المعنى : هل لعيني إلى الرّقاد سبيل * إن عهدي بالنوم عهد طويل ( ن ) : الخطاب للمحبوب الحقيقي مع علمه بأنه يعلم ، فإن كلام العاشق مما يطوى ويكتم . والكرى النعاس كما في الصحاح فإذا كان الكرى لم يزر وهو أوائل النوم فكيف يزور النوم . لا غرو إن شحّت بغمض جفونها عيني وسحّت بالدّموع الذّرّف