الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

275

شرح ديوان ابن الفارض

من الشماتة ، وهي فرح الإنسان ببلية عدوّه . وكسر تاء اشمت لموافقة الرّوي . وألفاظ هذا البيت كلّ منها إما منادى حذف منه حرف ندائه ، أو فعل أمر . ومعنى البيت ظاهر والأوامر في البيت ليست على أصلها بل هي للتفويض على حدّ قوله تعالى : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ [ طه : الآية 72 ] . وفي البيت من جهة اللفظ المماثلة لتماثل أكثر ألفاظه في الوزن والتفقيه . ومن جهة المعنى التفويق وتجوز تسميته مراعاة النظير ، ولا يخفى مغمورية هذا البيت باللطائف البديعة التي استوفت الحسن جميعه . [ المعنى ] ( ن ) : يقول : يا غرامي أقم عندي ملازما لي ، ويا صبري على الأحبة انقطع ، ويا دمعي على بعدهم انسكب ، ويا عدوّي انتقم مني وعاقبني على مقدار ما تقدر وعدوّه هو شيطانه المقارن له الذي يدعوه إلى السوء والطغيان . قال تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : الآية 6 ] الآية . وقال تعالى : وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [ الإسراء : الآية 64 ] الآية . قيل لأبي مدين : كيف أنت مع الشيطان ؟ فقال : أرأيت لو بال أحدهم في البحر فهل ينجس ؟ قالوا : لا . قال : فكذلك الشيطان معنا . ثم قال : يا دهري احتكم ، أي أمض حكمك فيّ ونفّذ عليّ كلّ ما يقتضيه أمري في الخير والشّرّ والنفع والضّرّ ، ويا حاسدي اشمت ، وهو كناية عن معاصره الذي يعمل بعمله فإنه يتمنى زوال النعمة عنه ورجوعها إلى نفسه حتى لا يبقى له عليه رفعة رتبة . وكنى بما تقدم عن كمال الثبات والرسوخ بحيث لا يتحرك لشيء من ذلك أصلا ، كما قال تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ إبراهيم : الآية 27 ] . اه . ويا جلدي بعد النّقا لست مسعدي ويا كبدي عزّ اللّقا فتفتّتي الجلد محرّكة : الشدّة والقوّة . و « النقا » في الأصل قطعة من الرمل محدودبة ، وهو هنا اسم مكان . والمسعد : اسم فاعل من أسعده إذا أنجده وأسعفه . والكبد معروفة وقد تذكّر . و « عزّ اللّقا » : أي قلّت الملاقاة ولا تكاد توجد . وتفتّتي : أمر من التفتّت وهو الانقطاع والتكسّر . الإعراب : ويا جلدي : عطف على غرامي في البيت قبله . والتاء : اسم ليس . ومسعدي : خبرها . وبعد النقا : متعلق بمسعدي . ويا كبدي : منادى مضاف معطوف كذلك . وعزّ اللّقا : فعل وفاعل . وقوله « فتفتّتي » أمر للكبد بالتقطّع حيث قلّت ملاقاة الحبائب .