الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

249

شرح ديوان ابن الفارض

الإخوان والخلّان . وفي البيت جناس الاشتقاق بين أبعدني وبعد ، وجناس التحريف بين أربعي وأربع . [ المعنى ] ( ن ) : الضمير في أبعدني راجع إلى حبّيك في البيت قبله وعن أربعي يعني عن عاداتي وطبائعي في الباطن ، أو عن دوري وما كنت أسكن فيه في الظاهر يعني حبّك أبعدني عن ذلك بعد إبعاده لي عن أوصاف أربع : الأول عصر شبيبتي فصرت أعجز عن تعاطي كل شيء ، والثاني عقلي فصرت لا أعي ولا أدرك شيئا ، والثالث ارتياحي أي نشاطي واهتمامي بالأمور ، والرابع صحتي أي عافيتي في بدني فما حال إنسان فقد شبابه فشاخ وانهزم وفقد عقله فجنّ وذهل وعدم إدراكه وفقد ارتياحه فزال نشاطه وابتهاجه بالأمور وذهبت عافية بدنه فمرض وسقم ، ثم بعد هذه الأربعة خرج عن أوطانه وساح في الأرض على هذه الحالة بسبب محبته هذه المحبوبة الحقيقية . اه . فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا وبالوحش أنسي إذ من الإنس وحشتي [ الاعراب ] الأوطان جمع وطن وهو منزل الإقامة . والسكون : القرار ، وفيه معنى الميل ، ومن ثم تعدّى بإلى . و « الفلا » : جمع فلاة وهي المفازة التي لا ماء فيها . والوحش : حيوان البرّ كالوحيش . والأنس بالضمّ ضدّ الوحشة . والإنس بالكسر البشر كالإنسان . وسكون مبتدأ مؤخر . وإلى الفلا : متعلق به . ولي بعد أوطاني : خبر مقدّم . وبالوحش : خبر مقدّم . وأنسي : مبتدأ مؤخر . وإذ : تعليلية متعلقة بما تعلق به بالوحش . ومن الإنس : خبر مقدّم . ووحشتي : مبتدأ مؤخر . والمعنى : بعدت عن منازلي بحيث صار لي ميل وقرار إلى الفلا بعد مفارقة أوطاني وصار لي أنس بالوحش واستيحاش من الإنس ، وهذا مقام الأنس بالحبيب والاستيحاش مما سواه . وفي البيت الجناس المحرّف واللاحق بين فلي والفلا ، والمحرّف أيضا بين أنسي والإنس ، والجناس الناقص بين الوحش والوحشة ، وقلب الكلمات في الجملة حيث قال بالوحش أنسي إذ من الإنس وحشتي . اه . وزهّد في وصلي الغواني إذ بدا تبلّج صبح الشّيب في جنح لمّتي « وزهّد في وصلي الغواني » : أي صيّر صبح الشيب الغواني زاهدة في وصلي . و « الغواني » جمع غانية وهي المرأة التي تستغني بحسنها عن الزينة ، أو التي تطلب ولا تطلب ، أو التي غنيت ببيت أبويها ، أو الشابة العفيفة ذات زوج أم لا . و « بدا » يبدو وظهر . التبلّج مصدر تبلج الصبح : أي أضاء وأشرق . و « الشيب » : الشعر وبياضه