الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

240

شرح ديوان ابن الفارض

سنا المضاف إلى بريق المضاف إلى الثنايا . وقوله منك : حال من بريق الثنايا الذي هو مفعول . والمعنى : أهدى لنا ضوء البريق الساطع من الجبال والعقبات لمعان ثناياك ، ومعنى إهدائه له إحضاره بالبال لأنه مثل البرق والشيء يذكر بمثله . وما أحسن قول الشيخ جمال الدين بن نباتة المصري رحمه اللّه من قصيدة يمدح بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : تذكّرت لمّا أن رأيت جبينها * هلال الدّجى والشيء بالشيء يذكر ونكتة تصغير البرق تحبيبية ، كما قال رضي اللّه عنه : ما قلت حبيبي من التحقير * بل يعذب اسم الشيء بالتصغير واعلم أنه يجوز في توجيه البيت من جهة بيان الفاعل والمفعول مع توجيه التقديم والتأخير أوجه غير ما ذكرنا أعرضنا عن ذكرها اختيارا لما قرّرناه . وفي البيت الجناس التام بين الثنايا والثنايا ، والجناس المحرّف بين بريق وبريق ، وجناس الاشتقاق بين أهدى وهدية . ( ن ) : كنى ببريق أي لمعان الثنايا الأربع من المحبوبة المذكورة عن الأسماء الإلهية الأربعة التي هي أركان الإيجاد والتأثير في العوالم وهي الاسم الحيّ والعليم أعلى والمريد والقدير أسفل ، وكنى بسنا أي ضياء برق الثنايا المذكورة عن إيجاد العوالم على اختلاف تكاوينها فإنها ظاهرة عن أمر اللّه مكوّنة بالأسماء الأربعة الإلهية كلمع البرق وكلمح بالبصر كما قال تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) [ القمر : الآية 50 ] ، وقوله : فهو خير هدية لأن به تعرف الحقيقة المتجلية وهو النّعم كلها . اه . وأوحى لعيني أنّ قلبي مجاور حماك فتاقت للجمال وحنّت [ الاعراب ] أوحى : أشار . والحمى على وزن إلى ما يحمى من شيء ، والمراد به هنا مكانها الذي حمى من تطرّق الحوادث إليه . وتاقت : فعل ماض من التّوق وهو الاشتياق والجمال الحسن في الخلق والخلق والفعل . « وحنّت » : فعل ماض من الحنين وهو الشّوق والطرب أو صوت عن حزن أو فرح وفاعل أوحى يعود لسنا بريق الثنايا ، أي أهدى بريق الثنايا وأوحى لعيني مجاورة قلبي لحمي الحبيبة فاشتاقت العين للجمال الباهر وحنّت إليه حيث علمت أن القلب مجاور للحمى وتذكّرت بعدها عنه . وفي هذا البيت من الانسجام ما يأخذ بمجامع العقول والأفهام .