الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
238
شرح ديوان ابن الفارض
وإشارة منها ، فإن الإشارة والإيماء بمعنى واحد ويحصلان بالكفّ والعين والحاجب . ولما : أداة تدل على وجود شيء لوجود شيء آخر يليها فعل ماض لفظا أو معنى ، قال بعض النّحاة باسميّتها وبعضهم بحرفيّتها . وعشاء : ظرف لتوافينا . وسواء سبيلي ذي طوى والثّنيّة : فاعل ضمّنا وحذف نون سبيلي مع أنه مثنى لإضافته إلى ذي طوى . ومنّت : معطوف على توافينا . وجملة تعادل عندي بالمعرّف وقفتي : في محل جر صفة وقفة ، وبالمعرف : متعلق بوقفة ومعمول المصدر يتقدم عليه إن كان ظرفا أو جارا ومجرورا . وعتبت : جوابا لما . واسم كأن المخفّفة ضمير الشأن . وجملة لم يكن لقى : خبرها ، ولقى : فاعل يكن . وكذا كان في قوله وما كان إلا أن أشرت وأومت : تامّة وفاعلها المصدر المسبوك من أن أشرت وأومت ، أي : ما وجد مني ومنها إلا إشارة وإيماء ، وذلك إشارة إلى قصر زمن الموافاة . واعلم أن قوله وما كان إلا أن أشرت وأومت معطوف على خبر كأن المخففة أي كأنه لم يكن لقى ، وكأنه ما كان إلا الإشارة والإيماء . ولو عطفنا وما كان على جملة كأن لم يكن لقى لكان المعنى ما كان في نفس الأمر غير الإشارة والإيماء فينافي حكمه في البيت الأول بحصول التوافي والضم ، وفي البيت الثاني بأنها منّت عليه بالوقفة التي تعادل عنده وقوفه في موقف عرفات اللّهمّ إلا أن يكون المعنى لم يحصل في تلك الوقفة والضم والتوافي غير الإشارة والإيماء فلا ينافي التلاقي ولا يلزم إدخال جملة وما كان إلا أن أشرت وأومت في حكم التشبيه فتأمّل . وفي البيت الثاني الطّباق بين منّت وضنّت ، والتناسب بين الإشارة والإيماء . [ المعنى ] ( ن ) : قوله توافينا كناية عن إقباله على حضرة الحق تعالى فإنه عيّن إقبال الحق تعالى عليه . وقوله عشاء كناية عن ظهور العدم المقدّر المصور بنور الوجود الحق بعد غروب شمس الذات الأحدية . وقوله سبيلي ذي طوى والثّنيّة فالأولى قرية قرب مكة كناية عن الحضرة الإلهية من قوله تعالى : إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [ طه : الآية 12 ] ، والثّنيّة كناية عن النفس الإنسانية من قوله تعالى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) [ البلد : الآيات 11 - 13 ] ، وهي عتق النفس بمعرفتها المستلزمة معرفة ربّها من رقّ الأغيار ، فالعشاء المذكور هو اختلاط نور وجود الحق بظلمة عدم النفس . وكنى بالوقفة هنا عن وقوف العارف إذا تحقّق بفناء نفسه واضمحلال رسومه وبوجود ربّه وثبوت أسمائه وصفاته فتلك الوقفة المذكورة تساوي عنده تمام الحج والوقوف بعرفات ، والضمير في تعتب راجع إلى حضرة الحق تعالى إذ هي المحبوبة الحقيقية في الأبيات قبله ،