الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
235
شرح ديوان ابن الفارض
التورية فإن كلّا منها له معنيان لغوي واصطلاحي ، والاصطلاحي هو القريب ، واللغوي البعيد ، مع أن المراد منها هو البعيد . وفي ذكر هذه الأشياء إيهام التناسب فإن المراد منها غير المعاني الشرعية المتناسبة . وفي المصراع الأول أيضا اللف والنشر على الترتيب . وأما ذكر الجسم والقلب فتناسب على بابه . ( ن ) : يقول جسمي مستحيل ، أي اضمحل وانمحق لفنائه في التجلّي ، وقلبي واجب أي خفق وهبط من قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : الآية 74 ] وهي قلوب الغافلين عن التجلّي الإلهي . وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ البقرة : الآية 74 ] وهي قلوب العارفين بالتجلّي الإلهي المتحقّقين به . وقوله وخدّي مندوب اسم مفعول من الندبة أثر الجرح الباقي على الجلد يعني أن خدّه مجروح بكثرة سيلان دموعه من بكائه من خشية اللّه تعالى . اه . وقالوا جرت حمرا دموعك قلت عن أمور جرت في كثرة الشّوق قلّت نحرت لضيف الطّيف في جفني الكرى قرى فجرى دمعي دما فوق وجنتي [ الاعراب ] البيت الأول متعلق بالثاني فإن الثاني مبيّن لعلّة كون الدموع حمرا ، والضمير في قوله قالوا يعود إلى العذّال . ويروى عن أمور ومن أمور وحمرا حال مقدّم من الفاعل وهو دموعك . والرواية إن كانت عن فهي متعلقة بمحذوف ، أي ناشئة عن أمور . وإن كانت من فهي تعليلية متعلقة بجرت ، أي جرت من أجل أمور . وجرت الأولى بمعنى سالت . والثانية بمعنى صدرت . وقوله « في كثرة الشوق » متعلق بقوله « قلّت » . وجملة جرت صفة لأمور . وكذلك جملة قلت في كثرة الشوق ، أي احمرّت دموعي لأمور صادرة قليلة في كثرة الشوق ، أي لأمور كثيرة في نفسها ، غير أنها قليلة بالنسبة إلى كثرة الشوق . وكثرة الشوق عبارة عن كثرة أسبابه ، أو كثرة ما ينشأ عنه من السهر والدمع والحزن وغير ذلك . وفي البيت الجناس التام بين جرت وجرت ، والجناس المحرّف بين قلت وقلّت ، والمقابلة بين الكثرة والقلّة . ونحرت الشيء : أصبت نحره . والضيف معروف للواحد والجمع . و « الطيف » : الخيال الطائف في المنام . و « في جفني » متعلق بنحرت . و « الكرى » : مفعول نحرت . و « قرى » : منصوب على التعليل ، أي نحرته لأجل القرى . و « دما » : حال من دمعي ، وهو فاعل جرى . و « فوق وجنتي » : متعلق بجرى .