الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
236
شرح ديوان ابن الفارض
والمعنى : نحرت الكرى لأجل قرى الضيف الذي هو الخيال الطائف فجرى بسبب ذلك النحر دمعي دما فوق وجنتي . وفي البيت الجناس اللاحق بين ضيف وطيف ، وكذا بين الكرى والقرى ، وكذا بين جرى وكرى ، والكرى النوم والقرى بكسر القاف مصدر قراه ، أي أضافه ، وقوله فجرى عطف على نحرت ، وفي الفاء معنى السببية . ( ن ) : الضمير في قالوا راجع للأحبة . وقوله من أمور جمع أمر وهو الشأن المهم في طريق المحبة . وجرت أي صدرت من المحبوب الحقيقي كالصّدّ والهجران وإظهار الغضب عليّ والابتلاء الحسن في أحوال الدنيا والبدن . وتلك الأمور كثيرة في نفسها غير أنها قليلة بالنسبة إلى كثرة الشوق . ثم اعتذر عن حمرة دموعه بإشارته إلى أمر واحد من تلك الأمور الكثيرة ، فقال : ذبحت النوم في جفني لخيال المحبوب الذي زارني ، ومعنى الطيف الذي زاره ما يقع في القلب من الصور عند توجّهه إلى شهود الحق تعالى فإن الناس نيام كما ورد في الخبر فما يجدونه بمنزلة الخيال الذي يجده النائم فإذا استيقظ بالموت ذهب ما كان يجده . اه . فلا تنكروا إن مسّني ضرّ بينكم عليّ سؤالي كشف ذاك ورحمتي [ الاعراب ] جملة « فلا تنكروا » دالّة على جزاء الشرط المقدّر ، والتقدير إن مسّني ضرّ بينكم فلا تنكروا عليّ سؤال كشفه . و « ضرّ بينكم » : فاعل ومضاف إليه ، أي الضرّ صادر من بينكم وفراقكم ، فإضافته بيانية إن جعلت الضرّ نفس البين وبمعنى اللام إن جعلته منسوبا إليه صادرا عنه . و « على » متعلق بتنكروا . و « سؤالي » : مفعوله ، وهو مضاف إلى فاعله . و « كشف » : منصوب على أنه مفعول المصدر . « ورحمتي » : عطف على كشف ذاك . والمعنى : إن أصابني الضرّ الذي يكون من ألم البين فلا تنكروا عليّ سؤالي من اللّه إزالته وإعاذة نفع الوصال والقرب ، وكذا لا تنكروا عليّ أن أسأل من اللّه أن يرحمني ويزيل عنّي ضرّ البين ، وقد أشار إلى سبب نهيه عن إنكار سؤاله كشف الضّرّ وسؤاله الرحمة بقوله وصبري الخ . ( ن ) : الخطاب للأحبة المتحدّث عنهم في البيتين قبله ، والمعنى لا تنكروا عليّ يا أحبتي إذا طلبت منكم أن تكشفوا عنّي ما مسّني من ضرّ فرقتكم وبعدكم فإن أيوب عليه السلام قال : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ الأنبياء : الآية 83 ] ، ولغيره أسوة به فإنه فتح باب الاقتداء بشكاية الحال للأحبة . اه .