الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

233

شرح ديوان ابن الفارض

موضعا ، أي أنحلني الشوق وأفناني حتى أن الضرّ لو قصد الإقامة بفناء جسدي لم يجد موضعا يمكث فيه فإن العرض لا يقوم بنفسه . وقوله « لعوّادي » متعلق بقوله حضوري . والمعنى : عدت أي صرت بسبب هذا الفناء الذي طرأ على حضوري لعوّادي كغيبتي عنهم فلا يرونني عند قصد رؤيتي لا في حضور ولا في غيبة إذ العدم لا يرى . وما أحسن قوله رضي اللّه عنه : تحكم في جسمي فلو أتى * لقبضي رسول ضلّ في موضع خالي وقوله في اللامية رضي اللّه تعالى عنه : خفيت ضني حتى لقد ضلّ عائدي * وكيف ترى العوّاد من لا له ظل وقال المتنبي : وشكيتي فقد السقام لأنه * قد كان لمّا كان لي أعضاء ( ن ) : يقول صرت بالأمر العظيم الذي لم يترك من جميعي موضعا يقوم به الضّرّ والأمر العظيم الذي فعل به ذلك هو تجلّي وانكشاف الوجود الحقّ له ، فإنه وجود واحد حيّ قائم بنفسه علم ما لا يعلمه سواه مما لا نهاية له مرتّبا على أكمل ترتيب فحكم أزلا بجميع ما عمله فقدّر كل شيء مما علمه بمقداره المعلوم وقضى بذلك فظهر كل شيء بنور وجوده الحق فلا وجود في نفس الأمر سوى وجوده الحق والكل فان مضمحل فإذا تحقّق العارف في نفسه بهذا الأمر كان فانيا في نفسه . اه . كأنّي هلال الشّك لولا تأوّهي خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي [ الاعراب ] « هلال الشك » : هو الذي يتحدّث الناس برؤيته ولم تثبت رؤيته . وقوله « لولا تأوّهي » وهي إلى آخره جملة للفرق بينه وبين هلال الشك فإن فيه تأوّها اقتضى اهتداء العيون لرؤيته لاستدلالها به بخلاف هلال الشك . والتأوّه مصدر تأوّه الرجل إذا قال أوّه . و « خفيت » من باب علمت ضدّ ظهرت . ولم تهد على صيغة المجهول . و « العيون » : جمع عين بمعنى الجارحة المعروفة فإيقاع الهداية حينئذ حقيقة . وقوله فلم تهد العيون لرؤيتي : عطف على خفيت ، والفاء فيها معنى السببية ، والهداية الدلالة بلطف على طريق يوصل إلى المطلوب . [ المعنى ] ومعنى البيت : قد صرت في الخفاء مثل هلال الشك لا يرى وإن تحدّث بعض الناس برؤيته لكن التأوّه أوجب لي ظهورا في الجملة بحيث اهتدت العيون لرؤيتي .