الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
22
شرح ديوان ابن الفارض
المائة دينار الثانية ، فلما وصلنا إلى الجامع ونزلنا عن الدواب ، اعتذر الشيخ رضي اللّه عنه إلى المكاري ودعا له . وحكى لي ولده رحمه اللّه قال : كان للشيخ رضي اللّه عنه أربعينيات متواصلة لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ، وفي بعض أيام أربعينية اشتهت نفسه عليه هريسة وكان في آخر أيام الأربعين فقال رضي اللّه عنه : يا نفس إما تصبري بقية هذا اليوم وتفطري على الهريسة فأبت وقالت : لا بدّ من الهريسة في هذا الوقت ، قال الشيخ : فاشتريت الهريسة وجئت إلى قبّة الشرابي ورفعت أول لقمة إلى فمي فانشقّ جدار القبّة المذكورة وخرج منها شاب جميل الوجه حسن الهيئة أبيض الثياب عطر الرائحة وقال : تفّ عليك ، فقلت : نعم إن أكلتها ، فرميت تلك اللقمة من يدي في الحال قبل أن تصل إلى فمي وتركت الهريسة وخرجت من الحرم إلى السّياحة وأدّبت نفسي بزيادة عشرة أيام في المواصلة إلى الأربعين لتتمة خمسين يوما . وحكى لي ولده رحمه اللّه قال : لمّا حجّ الشيخ شهاب الدين السهروردي شيخ الصوفية وكان ذلك آخر حجّه في سنة ثمان وعشرين وستمائة وكانت وقفة الجمعة وحجّ معه خلق كثير من أهل العراق فرأى كثرة ازدحام الناس عليه في الطواف بالبيت والوقوف بعرفة واقتدائهم بأقواله وأفعاله وبلغه أن الشيخ رضي اللّه عنه في الحرم فاشتاق إلى رؤيته وبكى وقال في سرّه يا ترى هل أنا عند اللّه كما يظنّ هؤلاء القوم فيّ ، ويا ترى هل ذكرت في حضرة المحبوب في هذا اليوم فظهر له الشيخ رضي اللّه عنه وقال له يا سهروردي : لك البشارة فاخلع ما عليك فقد * ذكرت ثم على ما فيك من عوج فصرخ الشيخ شهاب الدين وخلع كل ما كان عليه وخلع المشايخ والقوم الحاضرون كل ما كان عليهم وطلب الشيخ فلم يجده ، فقال : هذا إخبار من كان في الحضرة ثم اجتمعا بعد ذلك اليوم في الحرم الشريف واعتنقا وتحدّثا سرّا زمانا واستأذن ) أي : السهروردي ( والدي أن يلبسني ويلبس أخي عبد الرحمن خرقة الصوفية على طريقته فلم يأذن له وقال له : ليست هذه طريقتنا فلم يزل يعاوده إلى أن أذن له فلبست منه أنا وأخي ولبس معنا بإذن والدي رضي اللّه عنه ، أيضا شهاب الدين بن الخيمي وأخوه شمس الدين فإنهما كانا عند والدي في منزلة الأولاد ولبس منه في ذلك الوقت جماعة كثيرة بحضور الشيخ والدي وحضور جماعة من المشايخ مثل ابن العجيل اليمني وغيره .