الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

218

شرح ديوان ابن الفارض

ممنّعة خلع العذار نقابها مسربلة بردين قلبي ومهجتي [ الاعراب ] « العذار » في الأصل ما سال على خدّ الفرس ، والمراد من خلع العذار هنا التهتّك وعدم المبالاة بما يتحفّظ الناس عنه . والنقاب على وزن كتاب ما تنقّبت به المرأة . والمسربلة : اسم مفعول من سربلته ، أي ألبسته السربال ، وهو القميص أو الدّرع أو كل ما يلبس . و « بردين » : مفعوله الثاني ، ونائب فاعل مسربلة وهو الضمير المفعول الأول . و « قلبي ومهجتي » : بدلان من بردين بدل التفصيل من الإجمال ، أو التقدير هما قلبي ومهجتي ، والمهجة في الأصل الدم أو دم القلب أو الروح ، والمراد هنا الروح . وفي جعل خلع العذار نقابا لها غرابة حيث جعل الشيء من ضدّه . ووجه كون خلع العذار نقابا أن الناس يحملونه على محامل غير المحبة الحقيقية من الانهماك في الأمور العادية والاستغراق في المشاهدة المجازية ولا يحاولون ما أوجب خلع العذار وأذهب وصف الاصطبار . وأعدم الفؤاد القرار آناء الليل وأطراف النهار فيكون صارفا عن معرفة حقيقة الحال ، وما الذي أسكن البلبال في البال . ويجوز أن يكون المعنى خلع العذار المعتاد للمحبّين مع من يحبونهم بالنسبة إلى هذه الحبيبة غير ممكن لتمنعّها وتحجّبها وتسربلها ، وإنما يصنع في محبتها عوض خلع العذار النقاب لها والستر لمحبّها الكمال عزّتها ونهاية صيانتها . وقد تكلمنا على نحو ذلك في شرحنا الذالية عند قوله رضي اللّه عنه : فجعلت خلعي للعذار لثامه * إذ كان من لثم العذار معاذا وفي البيت المقابلة بين الخلع والتنقّب المفهوم من النّقاب ، والتناسب في ذكر العذار والنقاب والسربال والتوشيع في قوله مسربلة بردين قلبي ومهجتي . [ المعنى ] ( ن ) : ممنعة ، أي عن إدراك العقول . وقوله خلع العذار نقابها : أي أن التهتّك حجاب وجهها عن الظهور فإن كل متهتّك لا يبالي بما يظهر منه من المباحات التي تتحرّز العقلاء منها فيفعلها فلا يخطر لأحد من الناس أنه وليّ وأن الحق تعالى متصرّف به في ظاهره وباطنه . وقوله قلبي ومهجتي ، فالقلب هنا العقل وهو القوة الروحانية الربّانية المحمدية ، والمهجة هي دم القلب الجسماني ، والمعنى أن هذه الحقيقة لابسة صورة قلبه الروحاني وهي صورة عقله النوراني ولابسة أيضا صورة قلبه الجسماني وهي المهجة من تجلّي اسمه المصوّر كما قال تعالى : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ الأنعام : الآية 9 ] . قال الشيخ عفيف الدين