الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
209
شرح ديوان ابن الفارض
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : الآية 29 ] . وقوله ذاك إشارة إلى البعيد لبعد الحضرة الإلهية عن مشابهة الأكوان والشذى وهو الرائحة كناية عمّا تنقله الروح إلى الحقيقة الإنسانية عن الحقيقة الرّبّانية من الأخبار اللطيفة والأسرار المنيفة والعلوم اللدنية والمعارف الرحمانية . اه . سرت فأسرّت للفؤاد غديّة أحاديث جيران العذيب فسرّت [ الاعراب ] السرى كهدى ، سير عامّة الليل . و « سرت » : فعل ماض منه ، والضمير للصبا . وأسرّت ضدّ أعلنت . والفؤاد : القلب ، مذكّر جمعه أفئدة ، والفتح والواو غريب . و « غدية » بضم الغين تصغير غداة ، والمراد التقريب من زمن الصبح . والأحاديث جمع حديث ، وهو شاذّ . و « جيران » بكسر الجيم جمع جار ، وأصله جوران ، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، والدليل على أن أصل يائه الواو كونه مشتقّا من الجوار فيقال جاورت زيدا . و « العذيب » على صيغة التصغير : ماء . وسرت : فعل ماض من السرور . وأحاديث بالنصب مفعول أسرّت . وللفؤاد وغديّة متعلقان بأسرّت ، والفاء في أسرّت وسرت للعطف والتعقيب وفيهما معنى السببية . والمعنى : سرت الصبا عامّة الليل من عند الأحبّة فأسرّت للقلب وخاطبته بأحاديث جيران ذلك الماء في وقت الغداة فسّرته . وفي سراها عامّة الليل مع موافاتها الغدوة الصغرى رمز إلى بعد ما بين المحبّ وأحبّته حيث كانت الريح على ما لها من السرعة لا تقطع مدى ما بينهما إلا بسري ليلة تامّة . وما أحسن قول أبي العلاء بن سليمان المعرّي : وسألت كم بين العقيق إلى الحمى * فعجبت من طول المدى المتطاول وعذرت طيفك في المنام لأنه * يسري فيمسي دوننا بمراحل وفي البيت الجناس التام بين سرت وسرت ، والجناس الناقص بين كلّ منهما وبين أسرّت . وفيه أيضا كمال الرقّة والانسجام الآخذين بمجامع القلوب والأفهام . ( ن ) : الضمير في سرت للصبا المكنّى بها عن الروح ، يعني انبعاثها الآن عن أمر اللّه تعالى في ليل الأكوان . وقوله فأسرّت للفؤاد غدية ، يعني إسرارها لقلبي كان في حال انتشار نور فجر الأحديّة قبيل طلوع شمس الوجود الحق على صفحات الأعيان الكونية . وقوله جيران جمع جار ، وهو القريب ، كما قال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : الآية 16 ] ، وجمع الجار باعتبار الظهور بالأسماء الحسنى بحيث لا يحصرها الإحصاء . والعذيب كناية عن حضرة الإمداد الرّبّاني .