الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

210

شرح ديوان ابن الفارض

مهيمنة بالرّوض لدن رداؤها بها مرض من شأنه برء علّتي [ الاعراب ] « مهيمنة » : اسم فاعل من الهيمنة ، وهي الصوت الخفي . والروض جمع روضة ، وهي من الرمل والعشب مستنقع الماء لاستراضة الماء فيهما . واللدن : اللين من كل شيء . والرداء : ملحفة معروفة . و « مرض » : الريح ، عبارة عن كمال رقّتها . وقوله من شأنه برء علّتي : أي من عادته أن تبرأ به علّتي لتبليغه أحاديث أحبّتي . وبالروض : متعلق بمهيمنة . ومهيمنة : خبر مبتدأ مقدّر ، والظاهر أنه شبّه الريح بذات لطيفة محجّبة بالأستار ، فأثبت لها الرداء الملازم للمشبّه به عادة ، فإثبات الرداء تخييل . وذكر اللدن ترشيح يشير بها إلى لطف مهبّها . ففي قوله بها مرض إلى آخره إغراب ، حيث جعل البرء ناشئا من المرض الذي هو ضدّه . وما ألطف قول القاضي السعيد بن سنا الملك : نظر الحبيب إليّ من طرف خفي * فأتى الشّفاء لمدنف من مدنف وفي البيت الطّباق بين المرض والبرء مع كمال الانسجام واللطف . [ المعنى ] ( ن ) : المهينمة وصف للصبا المكنّى بها عن الروح والروض الذي يهينم فيه هو عالم الأجسام والهياكل العنصرية فتدرك هينمتها النفوس وهو الكلام النفساني الخفي . وقوله رداؤها : أي ثوبها الذي هي ملفوفة به وهو النفس ، فإن النفس غشاء يشمل الروح بحيث يسترها ، وهذا الغشاء اعتراها من طبيعة الجسم . والنفس هي التي يدركها الموت كما قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : الآية 185 ] ، والروح لا تموت لأنها من أمر اللّه . وقوله بها مرض : أي ضعف ، وهو عجزها الحقيقي الذي هي متحقّقة به لظهور الأمر الإلهي الذي هي ظاهرة عنه ، وهذا المرض الذي بها هو عين صحتها وهي ضعيفة جدّا من قبل نفسها وقوّتها قوة الأمر الإلهي . وقوله من شأنه إلخ . . . : أي من شأن ذلك المرض إذا تحقّقت به وكشفت عنه فهو شفاء مرضي وهو مرض الدعاوى النفسانية والأغراض الشهوانية ، فإن السالك مريض بالجهل والغفلة فإذا عرف نفسه عرف روحه ، وإذا عرف روحه صحّ من مرضه ذلك وكان في مرض هو صحة وشفاء . اه . لها بأعيشاب الحجاز تحرّش به لا بخمر دون صحبي سكرتي [ الاعراب ] أعيشاب تصغير أعشاب ويفتح ما بعد ياء التصغير في أفعال إذا كان جمعا كما في أجيمال تصغير إجمال ، والعشب الكلأ الرطب . و « الحجاز » : بلاد سمّيت بذلك لأنها حجزت بين نجد والغور . والتحرّش بالأعيشاب : الدخول بينها ليحرّك بعضها