الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
208
شرح ديوان ابن الفارض
وها أنا أشرع في المقصود بعون اللّه الملك المعبود فأقول : قال الأستاذ مجيبا لمن سأله بلسان الحال عن غرامه عند هبوب الصبا والشمال ، لمّا أذكره الهبوب ، شمائل ذلك المحبوب . نعم بالصّبا قلبي صبا لأحبّتي فيا حبّذا ذاك الشّذى حين هبّت اللغة : الصبا : ريح مهبّها من مطلع الثّريا إلى بنات نعش ، تثنيتها صبوان وصبيان ، وجمعها صبوات وأصباء وصبا . « لأحبتي » : أي حنّ إليهم ، والأحبة جمع حبيب بمعنى محبوب . وقوله « فيا حبّذا » جرى مجرى المثل فيبقى دائما على حالة واحدة ، ومن ثم يقال في المؤنث : حبّذا هند لا حبّذت ، وحبّ : ماض ، وذا : فاعله . و « ذاك الشذى » : مبتدأ ، وما قبله خبر . وقيل جعل حبّ وذا كشيء واحد وهو اسم وما بعده مرفوع به . و « الشذى » : قوة ذكاء الرائحة والضمير في هبّت يعود للصبا . الإعراب : قلبي : مبتدأ . وصبا لأحبتي : خبره ، وبالصبا ولأحبتي متعلقان بصبا أيضا . وجملة فيا حبذا ذاك الشذى : معترضة . نقل الإمام عن الواحدي أنه ذكر في تفسيره الكبير أن الريح التي جاءت بريح يوسف إلى يعقوب هي الصّبا ، ولأجل ذاك ترى المحبّين يكثرون من ذكرها في أشعارهم الغرامية . وأنشد على ذلك قول القائل : أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا * نسيم الصّبا يخلص إليّ نسيمها أجد بردها أو تشفّ مني حرارة * على كبد لم يبق إلا صميمها فإن الصّبا ريح إذا ما تنفست * على كبد حرّا تجلّت همومها وقال آخر : هبّت لنا صبحا يمانية * متّت إلى القلب بأسباب أدّت رسالات الهوى بيننا * عرفتها من دون أصحابي وفي البيت الجناس التام المستوفى بين صبا والصبا ، وما ألطف التشطير في البيت فإن الشطر الأول قد صار سجعه نعم بالصبا قلبي صبا ، والشطر الثاني فيا حبذا ذاك الشذا . وقد أشار إلى سبب ميل القلب للأحبّة عند هبوب الصّبا ، فقال : سرت إلخ . . . . [ المعنى ] ( ن ) : نعم كلمة تأتي في جواب الواجب فكأنه قيل له أصبا قلبك لأحبتك ؟ فقال في جوابه : نعم بسبب اتصال الصبا بجسمي ، وهي هنا كناية عن الروح الأمري الإلهي . صبا قلبي لأحبتي ، أي حنّ ومال إليهم لأنها روح محبوبه ، كما قال تعالى :