الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
200
شرح ديوان ابن الفارض
حرّان محنيّ الضّلوع على أسى غلب الأسا فاستنجذ استنجاذا [ الاعراب ] الحرّان : العطشان . والمحني الضلوع : هو المعطوف الضلوع ، فهو مضاف إلى نائب الفاعل . والأسى بفتح الهمزة : الحزن الزائد . و « الأسا » « 1 » مختصر من أساة كقضاة ، وهكذا يرويه الناس ، والأولى أن يقرأ بكسر الهمزة على وزن ظباء فلا يكون حينئذ فيه اختصار ، وهو جمع آس كقاض ، ومعناه الطبيب . وقوله « فاستنجذا استنجاذا » يروى بالتاء المثناة من فوق والنون والجيم والذال المعجمة ، ولم أجد له في القاموس معنى يناسب البيت مناسبة تامّة بل لفظ استنجذ ليس مذكورا في القاموس أصلا غير أنه قال : النجذ شدّة العضّ بالنواجذ وهي الأضراس والكلام الشديد ، وعضّ على ناجذه بلغ أشدّه ، والمنجذ كمعظم المجرب والذي أصابته البلايا . وقال في آخر المادة ونجذه الخ . . . : ألحّ عليه ، فنقول على ما يروى في البيت إما أن يكون استنجذ ، أي صار منجذا أي مصابا بالبلايا ، فالضمير حينئذ للحرّان ، وإما أن يكون من نجذه بمعنى ألحّ عليه ويكون الضمير عائدا إلى الأسى ، وإما أن يكون استنجذ مأخوذا من النجذ وهو شدّة العضّ بالنواجز مجازا فيكون الضمير عائدا إلى الأسى أيضا . ولا يخفى بعد المناسبة في هذه الأوجه والأظهر أن يروى هكذا فاستأخذ استئخاذا على أن يكون استأخذ بمعنى استكان وخضع وحينئذ فالضمير للحرّان . والمعنى : عليه لمّا رأى أن داءه من المحبة غلب الأطباء ولم يقدروا على علاجه استكان وخضع وسلّم وترك الدواء ، وقلت من أبيات : إن صدّ عني ولم ينظر لمسكنتي * وضعت في جيب فقري رأس تسليمي وقوله حرّان : خبر مبتدأ محذوف ، أي هو حرّان . ومحنيّ الضلوع : خبر بعد خبر . وعلى أسى : متعلق بقوله محنيّ الضلوع . وجملة غلب الأسا : صفة الأسى . وجملة قوله فاستنجذ استنجاذا على ما قرّرناه من الوجه الأظهر مستأنفة ، ومعناه حرّان عطشان قد حنى ضلوعه وعطفها على حرن غلب الأطباء ولم يقدروا على علاجه فاستكان وسلّم وترك طلب الدواء . ومن ذلك قوله رضي اللّه عنه وأرضاه : وضع الآسي بصدري كفّه * قال ما لي حيلة في ذا الهوى
--> ( 1 ) لا يخفى أن فيه قصر الممدود للضرورة .