الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

18

شرح ديوان ابن الفارض

فقال : ) أي : ابن بنت الأعزّ ( أنا أحبّ الناس في نظم الشيخ وحفظت ديوانه وأنا شاب وانتفعت بحفظه وهذه الأبيات ما كأنّي قطّ سمعتها إلا في هذه الساعة وقد زال من ذهني ما كنت أعتقده من ميل الشيخ في قصيدته إلى الحلول وأنا أستغفر اللّه مما جرى مني من الكلام في حقه فقلت له : ) أي : قال جامع هذا الكتاب ( وفي حق الشيخ شمس الدين الأيكي ؟ قال : نعم ، وما برحت في قلق من دعائه إلى أن حلّت بي هذه المحنة فاللّه تعالى يغفر لي وله وأنا تائب إلى اللّه تعالى من الوقوع في حق أهل هذا الطريق فمنهم أصبت وبالتوسّل إلى اللّه تعالى ببركتهم سلّمت ثم حجّ ) أي : ابن بنت الأعزّ ( بعد ذلك وامتدح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقصيدة وأنشدها عند الروضة الشريفة والمنبر حافيا مكشوف الرأس وبكى بكاء شديدا وبكى الناس معه ودعوا على أعدائه وقرأ خادم أم الملك السعيد وكان حسن الصوت عشرا من القرآن وهو قوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [ النّور : الآية 55 ] فاستبشر بذلك هو والناس وعلموا أن اللّه قد تقبّل دعاءهم ولمّا حضر من الحجاز وجد أعداءه الذين سلقوه ) أي : آذوه ( بالألسنة قد هلك منهم من هلك عن بيّنة ثم فوّض إليه القضاء فما برح متولّيه إلى أن قضى عليه فرحمه اللّه رحمة واسعة وجعل في روضات الجنان مضاجعه . ورأيته ) أي : رآه جامع هذا الديوان ( بعد موته في المنام ووجهه كالقمر وعليه نور يتلألأ وعليه ثياب دنسة فسألته عن ذلك فقال : هذا نور العلم وهذه ثياب الحكم ، ثم رأيته بعد ذلك في المنام وهو يخطب على منبر جامع الأزهر ومما حفظته من كلامه وسيعود شعارنا ) أي : حالنا وشأننا ( إلى ما كان عليه . وقال لي ولده رحمه اللّه : سمعت الشيخ رضي اللّه عنه يقول : حصلت مني هفوة فوجدت مؤاخذة شديدة في باطني بسببها وانحصرت باطنا وظاهرا حتى كادت روحي تخرج من جسدي فخرجت هائما كالهارب من أمر عظيم فعله وهو مطالب به فطلعت الجبل المقطّم وقصدت مواطن سياحتي وأنا أبكي وأستغيث وأستغفر فلم ينفرج ما بي وقصدت مدينة مصر ودخلت جامع عمرو بن العاص ووقفت في صحن الجامع خائفا مذعورا وجدّدت البكاء والتضرّع والاستغفار فلم ينفرج ما بي فغلب عليّ حال مزعج لم أجد مثله قطّ قبل ذلك فصرخت وقلت : من ذا الذي ما ساء قطّ * ومن له الحسنى فقط