الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

19

شرح ديوان ابن الفارض

قال : فسمعت قائلا يقول بين السماء والأرض : أسمع صوته ولا أرى شخصه : محمّد الهادي الذي * عليه جبريل هبط وقال لي ولده رحمه اللّه : رأيت الشيخ رضي اللّه عنه نهض ورقص طويلا وتواجد وجدا عظيما وتحدّر منه عرق كثير حتى سال تحت قدميه وخرّ إلى الأرض واضطرب اضطرابا عظيما ولم يكن عنده غيري ثم سكن حاله وسجد للّه تعالى فسألته عن سبب ذلك فقال : يا ولدي فتح اللّه عليّ بمعنى في بيت لم يفتح عليّ بمثله وهو : وعلى تفنّن واصفيه بحسنه * يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف وحكى لي ولده رحمه اللّه قال : كان الشيخ رضي اللّه عنه ماشيا في السوق بالقاهرة فمرّ على جماعة من الحرسية يضربون بالناقوس ويغنّون بهذين البيتين وهما : مولاي سهرنا نبتغي منك وصال * مولاي فلم تسمح فنمنا بخيال مولاي فلم يطرق فلا شك بأن * ما نحن إذا عندك مولاي ببال فلما سمعهم الشيخ رضي اللّه عنه صرح صرخة عظيمة ورقص رقصا كثيرا في وسط السوق ورقص جماعة كثيرة من المارّين في الطريق حتى صارت جولة ) أي : كثرة وازدحام ( وإسماع عظيم ) أي : ضجّة مطربة ورجّة معجبة ( وتواجد الناس إلى أن سقط أكثرهم إلى الأرض والحرّاس يكرّرون ذلك وخلع الشيخ كلّ ما كان عليه من الثياب ورمى بها إليهم وخلع الناس معه ثيابهم وحمل بين الناس إلى الجامع الأزهر وهو عريان مكشوف الرأس وفي وسطه لباسه وأقام في هذه السّكرة أياما ملقى على ظهره مسجّى كالميت فلما أفاق جاء الحرّاس إليه ومعهم ثيابه فوضعوها بين يديه فلم يأخذها وبذل الناس لهم فيها ثمنا كثيرا فمنهم من باع ومنهم من امتنع من بيع نصيبه وخلّاه عنده تبرّكا به . وحكى لي أيضا رحمه اللّه قال : كان الشيخ رضي اللّه عنه ماشيا في الشارع الأعظم بالقرب من مسجد ابن عثمان وأنا معه وإذا بنائحة تنوح وتندب على ميتة في طبقة والنساء يجاوبنها وهي تقول : ستّي متى متّي حقّا * أي واللّه حقّا حقّا قال : فلما سمعها الشيخ رضي اللّه عنه صرخ صرخة عظيمة وخرّ مغشيّا عليه فلما أفاق صار يقول ويردّد مرارا : نفسي متى متّي حقّا * أي واللّه حقّا حقّا