الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
177
شرح ديوان ابن الفارض
يقول له تتكلم بغير معقول عن البدر الذي في جو السماء ، أي عن العابد الذي أفعاله كلها على طبق الشريعة زاعما أن نوره هو الحق فذلك افتراء منك على الحق تعالى فاترك هذا الافتراء لأن النور الحقيقي هو ذاك البعيد عني وعنك مع كمال قربه إلينا وهو خليلي المصاحب لي الذي لا يفارقني أزلا ولا أبدا كما ورد في الأثر : ( اللّهمّ إنك أنت الصاحب في السفر ) ، وقال تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : الآية 4 ] . اه . عنت الغزالة والغزال لوجهه متلفّتا وبه عياذا لاذا [ الاعراب ] عنا له : خضع وذلّ . و « الغزالة » : الشمس . « والغزال » كسحاب الشادن حين يتحرك ويمشي والعياذ بكسر العين المهملة والذال المعجمة الالتجاء . و « لاذا » بألف التثنية يعود إلى الغزالة والغزال ، ومعنى لاذ تحصّن . قوله « لوجهه » متعلق بعنت . و « متلفتا » : حال من هاء الضمير العائد إلى الحبيب وبه متعلق بقوله لاذا . و « عياذا » : منصوب على أنه مفعول له أو على الحالية على أن المعنى عائذين بصيغة التثنية . والمعنى : ذلّت الشمس والغزال لوجهه في حال تلفّته تحصّنا به عائذين قوله لوجهه راجع لخضوع الغزالة له . وقوله متلفتا راجع لخضوع الغزال له فإن الشمس في غاية الضياء ووجهه يزيد عليها والغزال غاية في حسن الالتفات وهو يزيد عليه في ذلك ففيه لف ونشر مرتب ، وفي ذكر الغزالة إيهام . وبين الغزالة والغزال الجناس المطرف . ( ن ) : قوله لوجهه ، أي وجه المحبوب الحقيقي ، فالشمس مستمدّة نورها منه لأن الأنوار كلها آثار نور وجهه ، قال تعالى : وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [ طه : الآية 111 ] ، أي لوجهه تعالى . كما قال : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] ، وقال : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : الآية 115 ] ، وقوله متلفّتا ، أي حال عطفه بالرحمة واللطف والإحسان على السالك في طريقه . والمعنى : لاذ به الغزالة والغزال ، أي استترا بنور وجهه الكريم وتحصّنا عن الفناء والاضمحلال ، وربما كنّى بالغزالة عن الروحانية الإنسانية المشرقة على العالم الجسماني ، وبالغزال عن القلب الإنساني المتلفّت بالفكر والخيال إلى عوالم الإمكان . اه . أربت لطافته على نشر الصّبا وأبت ترافته التّقمّص لاذا