الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

170

شرح ديوان ابن الفارض

مضاف إلى فاعله وكمل بمفعوله وهو حالي . و « الحلي » : بالنصب صفة لحالي . و « بذاذا » : مفعول ثان للمصدر ، وجملة حلا فيه إلى آخره في محل نصب نعت لرشا . و « أميلحه » مع ما يتعلق به في محل رفع على الخبرية لما . والمعنى : أتعجب من حسن محبوب كالظبي في جيده ، ولفتته حلا لي فيه تبديله حالي الحالية بحال سيئة رثّة وإنما كان ذلك حاليّا له لكونه فعل الحبيب وعلامة صدق المحبة استحسان ما يفعل المحبوب ، وإن كان بحسب الظاهر ضررا محضا ، وللّه درّه رضي اللّه عنه حيث قال : وكل أذى في الحب منك إذا بدا * جعلت له شكري مكان شكيتي وما ألطف قول من قال : أحب من أجلكم من كان يشبهكم * حتى لقد صرت أهوى الشمس والقمرا أمرّ بالحجر القاسي فألثمه * لأن قلبك قاس يشبه الحجرا وفي البيت إبهام التضادّ بين أميلح وحلا فإن الأول مشتق من الملاحة لا من الملوحة . وفيه جناس شبه الاشتقاق بين حالي والحليّ وجناس الاشتقاق بين حلا والحلي إن كان من الحلاوة ، وإن كان من التحلية فجناس شبه الاشتقاق في حلا وحالي . ( ن ) : الضمير في تبديله راجع للمحبوب الحقيقي ، ومعنى تبديله ظهوره في كل طرفة عين في صور غير الصور التي ظهر بها أولا وإن تشابهت الصور وظن الغافل أنها جامدة واقفة غير متغيّرة وينكشف ذلك في عالم الآخرة ، قال تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [ النّمل : الآية 88 ] ، فهي طورا تخلع وطورا تلبس إلى الأبد في الدنيا والآخرة كما قلت في مطلع قصيدة لنا : هذه الأثواب والخلع * تكتسى طورا وتختلع قال تعالى : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ الأنعام : الآية 9 ] ، وورد في حديث مسلم فيأتيهم ربّهم في غير الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربّكم ، فيقولون : نعوذ باللّه منك لست ربّنا نحن ههنا حتى يأتينا ربّنا فيتحوّل لهم في الصورة التي يعرفون فيقول : أنا ربّكم ، فيقولون : أنت ربّنا فيتبعونه الحديث بطوله فالذين ينكرون هم غير العارفين به في الدنيا وكل الصور فانية في وجوده فلا صور ولا لبس ولهذا قال : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ [ الأنعام : الآية 9 ] ، ولم يقل للبسنا من غير أن يقول عليهم .