الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

166

شرح ديوان ابن الفارض

حالا من الضمير في ممنونة فمتداخلة . وبين امنن وممنونة جناس شبه الاشتقاق ، وبين الصحيحة والممنونة طباق معنوي لأنه يلزم من التقطيع للكبد عدم صحّتها ، وفي ذكر الرّمق إشارة إلى أنه لم يبق له من الحياة سوى رمق وذماء قليل ففيه شبه إدماج الشّكاية من اقتراب فنائه . والمعنى : سلبت أيّها المحبوب كبدي وأخذتها حال كونها صحيحة سليمة فأنا الآن أرضى أن تمنّ بها عليّ مقطّعة قطعا لأن الوجود خير من العدم . وفي أفلاذا دلالة على قطع كبده وأنه صار قطعا متفرّقة ففيه زيادة على ما يفهم من ممنونة ، وهذا البيت كقول القائل : قولوا لمن سلب الفؤاد صحيحة * يمنن عليّ بردّه مصدوعا ( ن ) : الخطاب للمحبوب الحقيقي الذي سلب قلبه وأخذه قهرا بسبب المحبّة وأبقاه عنده وإنما طلب أن يرجع إليه قلبه ليتحقّق بمعرفة محبوبه . اه . يا راميا يرمي بسهم لحاظه عن قوس حاجبه الحشا إنفاذا [ الاعراب ] اللّحاظ بفتح اللام مؤخّر العين ، وبكسرها سمة تحت العين . و « الحشا » ما دون الحجاب من كبد أو غيره ، ولعل المراد هنا الكبد وإضافة سهم لحاظه وقوس حاجبه من التشبيه المؤكّد لإضافة المشبّه به إلى المشبه كقول ابن خفاجة : والريح تعبث بالغصون وقد جرى * ذهب الأصيل عن لجين الماء أي على ماء كاللجين ، والمنادى في قوله يا راميا يرمي من قبيل الشبيه بالمضاف لأنه تعلّق به من تمام معناه الوصف بالجملة بعده فهو على حدّ قوله : أعبدا حلّ في شعبي غريبا * ألؤما لا أبا لك واغترابا والباء وعن في البيت يحتملان التعلّق بالفعل وهو يرمي ، أو باسم الفاعل وهو راميا ، غير أن التعلّق بالفعل أولى لقربه ولأصالته في العمل . و « الحشا » : مفعول للفعل أو لاسم الفاعل المذكور . و « إنفاذا » : مصدر أنفذ الشيء أجازه وهو حال على التأويل باسم الفاعل من الضمير في يرمي ، ويحتمل أن يكون مفعولا مطلقا من فعل مقدّر ، أي أنفذه إنفاذا . وفي البيت مراعاة النظير بالجمع بين السهم والقوس والرمي ، وفيه جناس الاشتقاق بين يرمي وراميا ، هذا ولك أن تجعل إنفاذا مصدرا من يرمي ويكون من قبيل جلست قعودا بادّعاء أن رميه منفذ في رميته فليتأمل ففيه ما فيه .