الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

165

شرح ديوان ابن الفارض

إن كان في تلفي رضاك صبابة ولك البقاء وجدت فيه لذاذا [ الاعراب ] الصبابة : الشوق أو رقّته ، أو رقّة الهوى . واللذاذ كاللذاذة مصدر لذّه ولذّ به ، واللذّة نقيض الألم وهي عند الحكماء إدراك الملائم أو شيء ينشأ عن إدراك الملائم قولان ، والتحقيق الثاني وللخلاف فائدة مذكورة في موضعها من علم الكلام . و « إن » الشرطية تمحض الفعل الذي تدخل عليه للاستقبال قبل إلا كان فتبقى مع إن الشرطية على مضيّها لتوغّلها في المضيّ على ما أفاده صاحب الكشّاف ونقله السعد التفتازاني عن بعض شيوخ النحو أيضا . و « صبابة » : نصب على التعليل لتلفي ، أي إن كان في تلفي لأجل الصبابة رضاك . وجواب الشرط وجدت . وقوله « ولك البقاء » : معترضة بين الشرط وجزائه ، ونكتة الاعتراض المطابقة بين البقاء والتلف مع استعطاف المطلوب ، وفيه أيضا شبه احتراس عن مجازاة المحبوب بما فعل من القتل إذ كان الوهم يذهب إلى أن القاتل يستحق مثل ما فعل . قال أبو الطيب المتنبي : وخفوق قلب لو رأيت لهيبه * يا جنتي لحسبت فيه جهنّما وفي البيت المقابلة بين التلف والبقاء ، وفيه الإطناب بالجملة المعترضة وقد بيّنّا فائدتها وللّه درّه . [ المعنى ] ( ن ) : التلف هو الفناء ، والفناء في طريق اللّه هو الكشف عن جميع أعيان العوالم مما هو سوى اللّه تعالى بأنها فانية هالكة معدومة بعدمها الأصلي ، وإنما تظهر موجودة بإضافة الوجود الحقّ إليها من قبل قوله سبحانه : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النّور : الآية 35 ] أي وجودهما الذي هو النور الحقيقي بإضافته إليهما ، قال تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 3 ) [ الحديد : الآية 3 ] . وقوله صبابة ، يعني إن كان رضاك في فنائي واضمحلالي بشدة الشوق حتى تنفرد أنت بالوجود وحدك كما هو عليه في نفسه ويكون لك البقاء ، أي الدوام والاستمرار وجدت اللذاذة والنعيم بذلك . اه . كبدي سلبت صحيحة فامنن على رمقي بها ممنونة أفلاذا [ الاعراب ] الكبد معروفة وهي مؤنثة ، وقد تذكّر . والرمق : بقية الحياة . وامنن : فعل أمر من منّ يمنّ كنصر ينصر ، وامنن هنا بمعنى أنعم . والممنونة : اسم مفعول من منّ بمعنى قطع ، وهو أيضا من باب نصر . والأفلاذ جمع فلذة ، وهي القطعة من الكبد . و « كبدي » : مفعول مقدّم لسلبت . و « صحيحة » : حال من كبدي . و « ممنونة أفلاذا » : حالان من الهاء في بها العائدة إلى الكبد ، والحال حينئذ مترادفة ، وإن جعلت أفلاذا