الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

119

شرح ديوان ابن الفارض

جماعة البدن . و « حاشى » : فعل يستعمل للاستثناء ، أي عدم جسمي إلا أصغريّ وهما القلب واللسان . ومن ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « المرء بأصغريه قلبه ولسانه » . ويروى هذا الكلام عن المعيدي ، وذلك أن المعيدي كان لصّا مفسدا في ولاية النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، وكان الناس ينقلون عنه أخبارا عجيبة في باب التلصّص ، وكان النعمان يتمنى أن يراه ، فلما رآه استحقر صورته لأنه كان دميم الخلقة ، فقال : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، فقال المعيدي : أبيت اللّعن إن الرجال ليس بجزر تجزر ، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فاستحسن منه ذلك . وما ألطف قول الشيخ أبي الفتح البستي مشيرا إلى هذا المعنى : أقبل على النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان الإعراب : برى : فعل ماض وقد دخلت عليه لتحقيق حصول معناه . وأعظم : أفعل تفضيل فاعل برى . وشوق : مضاف إليه . وأعظم : مفعول ، والياء مضاف إليه . وفني جسمي : فعل وفاعل . وحاشى : فعل استثناء ، وفاعله مستتر وجوبا وهو عائد إلى البعض المفهوم من الجسم . وأصغري : مفعوله . المعنى : قد أذهب الشوق الأعظم ما في جسدي من الأعظم ، وعدم جسمي إلا قلبي ولسانه . ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « المرء بأصغريه قلبه ولسانه » . ويروى أن أيوب لمّا ابتلاه اللّه تعالى وأفنى جسمه وأعدم جميع جوارحه وجوانحه طلب منه أن يبقى له القلب محل اعتقاد صفاته تعالى ، واللسان محل الإقرار بوحدانيته تعالى . ونقل المفسّرون عن لقمان أن سيده قال له اذبح لي شاة وائتني بأطيب ما فيها ، فذبحها وأتى له بالقلب واللسان ، فقال له اذبح أخرى وائتني بأخبث ما فيها ، فذبحها وأتى له بهما أيضا . فقال له سيده : ما هذا ؟ فقال : هما أطيب ما في الجسد إن طابا ، وأخبث ما فيه إن فسدا . وفي البيت الجناس المحرّف بين أعظم وأعظم ، وفيه الطّباق بين الأعظم والأصغر ، ثم إنه أشار إلى عدم فناء قلبه ولسانه بقوله : حاشى أصغريّ . ( ن ) : يشير بهذا البيت إلى اضمحلاله ظاهرا وباطنا في شوقه إلى المحبوبة وفي تجلّي وجه الحق له وانكشاف نور وجوده إلا قلبه ولسانه ، فقلبه لتلقّي المعارف الإلهية ، ولسانه لنشر العلوم الدينية . اه . شافعي التّوحيد في بقياهما كان عند الحبّ عن غير يديّ [ الاعراب ] « شافعي » : مبتدأ . و « التوحيد » : خبر . أو « التوحيد » : مبتدأ . و « شافعي » : خبر . وإن قلنا بالأول فشافعي ليس بمعنى الحدوث ، بل بمعنى الثبوت . و « في بقياهما » :