الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

11

شرح ديوان ابن الفارض

سبب رجوعها ، وإشراق شمسها بعد غروبها عن ربوعها ، وأثبتّها بعد ذكر السبب ) لرجوعها ( في آخر هذا الديوان المنتخب ، وأخبرني ولده المشار إليه أنه قابل النسخة المشار إليها على نسخة كانت عنده بخطّ الشيخ رحمه اللّه وأن ابن شيخ الشيوخ استعارها منه وحلف له أن يعيدها إليه ، ولم يردّها بعد ذلك عليه . وأخبرني الشيخ أبو القاسم المنفلوطي حينما حضر من منفلوط إلى القاهرة في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة أن النسخة المذكورة موجودة عنده الآن وهي معه بالقاهرة وأنها اتصلت إليه من أسلافه واتصلت إلى أسلافه من الشيخ صفيّ الدين بن أبي المنصور ووعدني أنه يحضرها إليّ وسافر إلى منفلوط ولم يحضرها ، وبلغني أن المذكور شيخ زاوية بالبلدة المذكورة وله فيها صولة ) سطوة وسلطة ( مشهورة ، وقد صارت هذه النسخة لهما ثالثة ، ولصحّتهما وارثة ، واللّه الموفّق للسّداد ، والهادي إلى الرّشاد ، وأودعت في صدرها أسرارا من كراماته المشهورة ، وحسن شكله الذي خلقه اللّه بأحسن صورة . فمن ذلك ما أخبرني به سيدي ولده المشار إليه ، رحمة اللّه عليه . قال : كان الشيخ رضي اللّه عنه معتدل القامة وجهه جميل حسن مشرّب بحمرة ظاهرة وإذا استمع وتواجد وغلب عليه الحال يزداد وجهه جمالا ونورا ويتحدر العرق من سائر جسده حتى يسيل تحت قدميه على الأرض ولم أر في العرب ولا في العجم مثل حسن شكله وأنا أشبه الناس به في الصورة وكان عليه نور وخفر ) الخفر الحياء والبهجة ( وجلالة وهيبة ومن فهم معاني كلامه دلّته معرفته على مقامه ، ومن اختصّه اللّه بمحبته وأنسه ، يعرف المحبّ بين أهل المحبة من جنسه ، وقد جعل اللّه المحبّين خزائن أسراره المصونة ، ومعادن ) أي : مواضع ظهور مغنى ( قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] وكان إذا مشى في المدينة تزدحم الناس عليه يلتمسون منه البركة والدعاء ويقصدون تقبيل يده فلا يمكّن أحدا من ذلك ، بل يصافحه وكانت ثيابه حسنة ورائحته طيّبة ، وكان إذا حضر في مجلس يظهر على ذلك المجلس سكون وهيبة وسكينة ووقار ، ورأيت جماعة من مشايخ الفقهاء والفقراء وأكابر الدولة من الأمراء والوزراء والقضاة ورؤساء الناس يحضرون مجلسه ، وهم في غاية ما يكون من الأدب معه والاتّضاع له ، وإذا خاطبوه فكأنهم يخاطبون ملكا عظيما ، وكان ينفق على من يرد ) أي يزوره ( عليه نفقة متّسعة ويعطي من يده عطاء جزيلا ولم يكن يتسبّب في تحصيل شيء من الدنيا ولا يقبل من أحد شيئا ، وبعث إليه السلطان محمد الملك الكامل رحمه اللّه ألف دينار فردّها إليه وسأله أن يجهّز له ضريحا عند قبر أمه ) أي : أم الملك المذكور ( بتربة الإمام الشافعي رضي اللّه عنه فلم ينعم له