الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
12
شرح ديوان ابن الفارض
بذلك ثم استأذنه أن يبني له مزارا مختصّا به فلم يأذن له بذلك وسنذكر ذلك وسببه في موضعه . قال ولده رحمه اللّه : سمعت الشيخ رضي اللّه عنه يقول : كنت في أول تجريدي أستأذن والدي وأطلع إلى وادي المستضعفين ) بصيغة اسم المفعول ( بالجبل الثاني من المقطم ) بالميم وفي بعض النسخ بالباء ( وآوي فيه وأقيم في هذه السّياحة ليلا ونهارا ثم أعود إلى والدي لأجلّ برّه ومراعاة قلبه ، وكان والدي يومئذ خليفة الحكم للعزيز بالقاهرة ومصر المحروستين وكان من أكابر أهل العلم والعمل فيجد سرورا برجوعي إليه ويلزمني بالجلوس معه في مجالس الحكم ومدارس العلم ، ثم أشتاق إلى التجريد فأستأذنه وأعود إلى السياحة وما برحت أفعل ذلك مرة بعد مرة إلى أن سئل والدي أن يكون قاضي القضاة فامتنع ونزل عن الحكم واعتزل الناس وانقطع إلى اللّه تعالى بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر إلى أن توفي فعاودت التجريد والسياحة وسلوك طريق الحقيقة فلم يفتح عليّ بشيء فحضرت يوما من السياحة إلى القاهرة ودخلت المدرسة السيوفية فوجدت رجلا شيخا بقّالا على باب المدرسة يتوضّأ وضوءا غير مرتّب غسل يديه ثم غسل رجليه ثم مسح برأسه ثم غسل وجهه ، فقلت له : يا شيخ أنت في هذا السّنّ على باب المدرسة بين فقهاء المسلمين وتتوضأ وضوءا خارجا عن الترتيب الشرعي ، فنظر إليّ وقال يا عمر : أنت ما يفتح عليك في مصر ، وإنما يفتح عليك بالحجاز في مكة شرّفها اللّه فاقصدها فقد آن لك وقت الفتح فعلمت أن الرجل من أولياء اللّه تعالى ، وأنه يتستّر بالمعيشة وإظهار الجهل بلا ترتيب الوضوء فجلست بين يديه وقلت له يا سيدي : وأين أنا وأين مكة ولا أجد ركبا ولا رفقة في غير أشهر الحج ؟ فنظر إليّ وأشار بيده ، قال : هذه مكة أمامك فنظرت معه فرأيت مكة شرّفها اللّه فتركته وطلبتها فلم تبرح أمامي إلى أن دخلتها في ذلك الوقت وجاءني الفتح حين دخلتها فترادف ولم ينقطع . قلت : ) أي : قال سبط الشيخ الذي هو جامع نسخة هذا الديوان ( وإلى هذا الفتح أشار رضي اللّه عنه في القصيدة الدالية بقوله : يا سميري روّح بمكة روحي * شاديا إن رغبت في إسعادي كان فيها أنسي ومعراج قدسي * ومقامي المقام والفتح بادي وقال ) أي : الشيخ عمر ( رضي اللّه عنه : ثم شرعت في السّياحة في أودية مكة وجبالها وكنت أستأنس فيها بالوحوش ليلا ونهارا .