الشيخ عبد الغني النابلسي

80

مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية

الأشياء مطلقا ، فإن الأشياء كلها على اختلافها ذكر اللّه تعالى نفسه بنفسه لنفسه ، فإذا لاحظت شيئا كنت ذاكرا للّه تعالى بذكر اللّه نفسه . وهذا بعد معرفة الأشياء المعرفة التامة وإلا كانت ملاحظة الشيء غفلة لا ذكرا . وقال شيخ الإسلام : في ملاحظة ذلك يحصل الوجدان بغير تفتيش والرؤية بلا نظر ، ومقصود هذه الطائفة العلية الصوفية « 1 » أن يحصل لهم مشهد « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 2 » . و ( قال شيخ الإسلام ) الخواجة عبد اللّه محمد الأنصاري الهروي : ( في ملاحظة ذلك ) المذكور في كل شيء ( يحصل ) للذاكر ( الوجدان ) في نفسه للحق تعالى ( بغير تفتيش ) ، أي تعب في الطلب ، ( و ) يحصل له أيضا ( الرؤية ) للّه تعالى ( بلا نظر ) مقصود منه لرؤية اللّه تعالى ، وهو مقام الصديق الأكبر رضي اللّه عنه فإنه قال : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه تعالى فيه » ، مراده أن كل شيء مظهر للّه تعالى من حيث إنه أثر له تعالى لا الظرفية ، وهذا هو الذكر الحقيقي وما سواه عبادة لا ذكر . ( ومقصود هذه الطائفة العلية الصوفية ) قدس اللّه تعالى أرواحهم السنية في مجاهداتهم وسلوكهم ( أن يحصل لهم مشهد ) أي شهود مقام الإحسان الذي أخبر عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « الإحسان ( أن تعبد اللّه ) » بالإيمان والإسلام اللساني والقلبي وبأنواع الطاعات الحاصلة بالجوارح وأنت ملاحظ له تعالى في عين عبادتك المذكورة فيك وفي كل شيء تراه ، لأنه متجل عليك في كل شيء ، وكل شيء أثر تجليه عليك ، وأنت أيضا من جملة تلك الآثار . ( كأنك تراه ) دخلت الكاف هنا للتشبيه ، أي تشبيه حالتك وأنت لا تراه بحالتك وأنت تراه ، والأصل في ذلك وجود الإنسان الكامل على الصورة الإلهية التي هي عبارة

--> ( 1 ) في ( ب ) العلية . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ( 48 ) ، ومسلم بنحوه ( 10 ) ، وأبو داود ( 4075 ) ، والترمذي ( 2535 ) وغيرهم .