الشيخ عبد الغني النابلسي
90
كتاب الوجود
نحكم عليه معها بالإحكام المذكور ؛ وذلك لضرورة الممكن في علمه بالواجب ، أو الحكم على الواجب . . قلنا : حيث كان الواجب كان سبحانه في أنه الخارج عندكم ، لا صورة له قطعا ، وقد اشترطتم في العلم أن يكون مطابقا للمعلوم كما سنذكره عنكم ، وهاهنا العلم منكم غير مطابق للمعلوم ، فهو بمنزلة من أراد أن يتصور الحجر ، فتصوره في عقله ماء مثلا ، وحكم على صورة الماء التي تصورها بعقله أنها هي الحجر في الخارج ، لم يكن ذلك علما بالحجر ، بل هو علم بالماء ، والماء غير الحجر ، فالمعلوم المحكوم عليه بالحجرية هو الماء دون الحجر قطعا غير معلوم أصلا ، وكذلك في مسألتنا هذه المعلوم بالصورة غير اللّه تعالى قطعا ، والمحكوم عليه بالإحكام عندكم هو اللّه تعالى ؛ فلهذا قلنا بأنكم عابدون للصورة وحاكمون عليها بالتنزيهات الواردة في كتب علم الكلام « 1 » وغيرها من الكتب في حق اللّه تعالى تقتضى أن اللّه تعالى لا صورة له في وجوده الواجب الخاص به في الخارج . كما أن المعدوم في الخارج لا صورة له أيضا كالمعدوم المستحيل والمعدوم الممكن ، حتى ذكر الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في كتابه الفتوحات المكية « 2 » في الباب الثاني عشر وثلاثمائة قال : « اعلم أن المعلومات ثلاثة لا رابع لها ، وهي الوجود المطلق
--> ( 1 ) قال النووي في شرح مسلم ( 3 / 18 ) ، طبعة دار الكتب العلمية : قال القاضي عياض - رحمه اللّه - في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فيأتيهم اللّه » ؛ أي في صورة بعض الملائكة ، قال القاضي : ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدث الظاهرة على الملك والمخلوق ، قال : أو يكون معناه يأتيهم اللّه في صورة ؛ أي يأتيهم بصورة ، ويظهر لهم من صور ملائكته ومخلوقاته التي لا تشبه صفات الإله ليختبرهم ، وهذا آخر امتحان المؤمنين ، فإذا قال لهم هذا الملك أو هذه الصورة : أنا ربكم ، رأوا عليه من علامات المخلوقات ما ينكرونه ، ويعلمون أنه ليس ربهم ، ويستعيذون باللّه منه . ( 2 ) « الفتوحات المكية » هو أحد مصنفات ابن عربي ، وله عدد ضخم من المصنفات المنثورة والمنظومة يبلغ المائتين ، ويذكر منها بروكلمان في كتابه « تاريخ الأدب العربي » ما يزيد على مائة وخمسين مصنفا ، وذكر ابن عربى أنه ألف نحو مائتين وتسعة وثمانين كتابا ورسالة على حد قوله في مذكرة كتبها عن نفسه سنة ( 632 ) ، أو خمسمائة كتاب ورسالة على حد قول عبد الرحمن جامى صاحب كتاب نفحات الأنس ، أو أربعمائة كتاب كما يقول الشعراني في كتاب اليواقيت والجواهير . [ التصوف الفلسفي ( 31 ) ] .