الشيخ عبد الغني النابلسي

91

كتاب الوجود

الذي لا يتقيد ؛ وهو وجود اللّه تعالى الواجب الوجود لنفسه ، والمعلوم الآخر المطلق الذي هو عدم لنفسه ، وهو الذي لا يتقيد ؛ وهو المحال ، وهو في مقابلة الوجود المطلق « 1 » ، حتى لو اتصفا بحكم الوزن عليها لكانا على السواء ، وما من نقيضين متقابلين إلا وبينهما فاصل ، فإنه يميز كل واحد عن الآخر ، وهو المانع أن يتصف أحدهما بصفة الآخر ، وهذا الفاصل الذي بين الوجود المطلق والعدم المطلق هو البرزخ الأعلى له وجه إلى الوجوه ، وله وجه إلى العدم ، فهو يقابل كل واحد من المعلومين بذاته ، وهو المعلوم الثالث ، يعنى هو الإمكان المطلق ، وفيه جميع الممكنات ، وهي لا تتناهى ، كما أن كل واحد من المعلومين لا يتناهى ، ثم بسط الكلام بما هو فوق المرام ، فالعلم من الممكنات التي في هذا المعلوم الثالث إذا تعلق بالمعلومين الأولين يكشف عنهما بمقدار ما هو منه « 2 » ، وهو الصورة لا غير ، وهي ممكنة ؛ لأن هذا المعلوم الثالث كله صور ممكنة لا غير ، محسوسة ومعنوية ، وأما المعلومان الأولان فهما مطلقان عن الصورة في حد ذاتهما ، ولا يمكن الممكن علمهما إلا بصورة منه تقابل أي معلوم كان منهما فتنسب إليه ، وينسب إليها باعتبار الوجه الذي تقابله من الوجود المطلق والعدم المطلق غير ذلك لا يكون أصلا ، فإطلاق الصورة على الوجود المطلق أو العدم المطلق باعتبار الوجهين اللذين للصورة ، فإنها عدم من

--> ( 1 ) إذا كان المتكلمون والفلاسفة قد اختلفوا حول القول بقدم العالم وحدوثه ، فإن الاحتمالات في هذا المجال لا تزيد على أربعة ، فإنه إما أن يكون محدث الذات والصفات ، أو قديم الذات والصفات ، أو قديم الذات محدث الصفات ، أو بالعكس ؛ أي محدث الذات قديم الصفات . وإذا كان المتكلمون قد ذهبوا إلى أن ما عدا اللّه مسبوق بالعدم سبقا زمانيّا ، فإن الفلاسفة ذهبوا إلى أن ما عداه غير مسبوق بالعدم إلا سبقا بالذات . [ شرح الطوسي على الإشارات والتنبيهات لابن سينا ( 3 / 54 ، 55 ) ] . ( 2 ) قال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية ( 1 / 36 ) : « إذا كان الفلاسفة يرون امتناع حدوث الحوادث بلا سبب حادث ؛ أي يمتنع تقدير ذات معطلة عن الفعل لم تفعل ثم فعلت ، فإن المتكلمين يقولون : إن هذا لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم لا الأفلاك ولا غيرها ؛ وإنما يدل على أنه لم يزل فعالا ، وإذا قدر أنه فعال لأفعال تقوم بنفسها ، أو مفعولات حادثة شيئا بعد شيء ، كل ذلك وفاء بموجب هذه الحجة مع القول بأن كل ما سوى اللّه محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن » .