الشيخ عبد الغني النابلسي
87
كتاب الوجود
وإن احتجبت ، فهو تحل لا يعرفه كل عارف إلا من أحاط علما بما أحطت به من المعارف ، ألا ترى أنى أتجلى لهم في القيامة في غير الصورة التي يعرفونها والعلامة ، فينكرون ربوبيتي ، ومنى يتعوذون ، ولكن لا يشعرون ، ولكنهم يقولون لذلك المتجلى : نعوذ باللّه منك « 1 » . وها نحن لربنا منتظرون ، وحينئذ فرج عليهم في الصورة التي لديهم ، فيقرون لي بالربوبية وعلى أنفسهم بالعبودية ، فهم لعلامتهم عابدون ، وللصورة التي تقررت عندهم مشاهدون ، فمن قال منهم إنه عبدني ، فقوله زور ، وقد باهتني ، وكيف يصح له ذلك عندما تجليت له أنكرني ، فمن قيدنى بصورة دون صورة فتخيله عبد ، وهو الحقيقة الممكنة في قلبه المستعرة ، وهو يتخيل أنه يعبدني وهو يجحدني ، والعارفون ليس في الإمكان خفائى عن أبصارهم ؛ لأنهم غابوا عن الخلق وعن سرارهم ، فلا يظهر لهم عندهم سواي ، ولا يعقلون من الموجودات سوى أسمائي ، فكل شيء ظهر لهم وتجلى « 2 » . قالوا به له : أنت المسبح الأعلى ، فليسوا سواء ، فالناس بين غائب وشاهد ، وكلاهما عندهم شيء واحد » انتهى كلامه . وهو يشير إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عن عطاء بن يزيد « 3 » الليثي ، أن أبا هريرة رضي اللّه عنه أخبره
--> ( 1 ) قال النووي : وأما قولهم « نعوذ باللّه منك » فقال الخطابي يحتمل أن تكون هذه الاستعاذة من المنافقين خاصة ، وأنكر القاضي عياض هذا وقال : لا يصح أن تكون من قول المنافقين ، ولا يستقيم الكلام به ، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب ، ولفظ الحديث مصرح به أو ظاهر فيه ؛ وإنما استعاذوا منه لما رأوا من سمات المخلوق . [ شرح مسلم للنووي ( 3 / 19 ) ] . ( 2 ) قال في لطائف المنن ( ص 45 ) : عن أبي العباس المرسي : إن للّه عبادا محو أفعالهم بأفعاله ، وأوصافهم بأوصافه ، وذواتهم بذواته ، وحملهم من أسرارهم ما يعجز عامة الأولياء عن سماعه ، وهم الذين غرقوا في بحر الذات وتيار الصفات . فهي إذا فناءات ثلاث : أن يفنيك عن أفعالك بأفعاله ، وعن أوصافك بأوصافه ، وعن ذاتك بذاته . ( 3 ) عطاء بن يزيد ، أبو محمد ، أبو يزيد ، الليثي ، الجندعي ، المدني ، الشامي ، ثقة ، نزل الشام وحدث عن تميم الداري وأبي هريرة وأبى أيوب الأنصاري وأبى ثعلبة الخشني وأبي سعيد الخدري ، وروى عنه : أبو صالح السمان ، وابنه سهيل بن أبي صالح ، والزهري ، وأبو عبيد الحاجب -