الشيخ عبد الغني النابلسي
86
كتاب الوجود
الخالية فقط ، وكان ربه هو ما تخيله وتصوره في عقله على حسب حكمه بذلك ، وكان اسمهم حينئذ الفرقة الإلهية الخيالية التصويرية ؛ لأنهم المتخيلون للّه تعالى ، لمصورون له في عقولهم ، فهم ينزهون صورته تعالى التي صورها في عقولهم عن مشابهة جميع الأمور كلها ، ولو عرض عليهم تلك الصورة التي صوروها في عقولهم ، وقيل : إنها هي اللّه تعالى ، ما قبلوا ذلك ، وأنكروه غاية الإنكار ، ونزهوا الصورة التي في عقولهم عن ذلك . وقالوا : نحن أهل تنزيه للّه تعالى من مشابهة كل ما سواه ، ولو عقلوا لوجدوا أنفسهم مترهين تلك الصورة التي صورها في عقولهم ، لا للّه تعالى ، وكل صورة من الصور المعقولة والمحسوسة مخلوقة على وصف لا تشابه الصورة الأخرى لسعة القدرة الإلهية ، فتنزيههم لتلك الصورة في محله ، ولكنه ليس بتنزيهه للّه تعالى ، بل هو تشبيه له سبحانه وتعالى ، لو عقلوا ذلك فهم العابدون لهواهم كما قال تعالى « 1 » : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( سورة الجاثية : 23 ) . وقد قال العارف الكامل الشيخ محيي الدين بن عربى - قدس سره - في كتابه الفتوحات المكية في الباب الأول ، باب الروح في مشهد البيعة الإلهية ، قال : « من طرف الوجود الحق سبحانه إنما كثرت المناسك ؛ رغبة في التماسك ، فإن لم تجدني هنا وجدتنى هنا ، وإن احتجبت عنك في جمع ، تجليت لك في منى « 2 » ، مع أنى قد أعلمتك في غير ما موقف من مواقفك ، وأشرت إليك غير مرة في بعض لطائفك أنى
--> ( 1 ) أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ؛ أي إنما يأتمر بهواه ، فمهما رآه حسنا فعله ، ومهما رآه قبيحا تركه ، وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين ، وعن مالك فيما روى عنه من التفسير : لا يهوى شيئا إلا عبده . وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ يحتمل قولين : أحدهما : وأضله اللّه لعلمه أنه يستحق ذلك ، والآخر : وأضله اللّه بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه ، والثاني يستلزم الأول ولا ينعكس . [ ابن كثير في تفسيره ( 4 / 150 ) ] . ( 2 ) منى : بلدة قرب مكة ينزلها الحجاج أيام التشريق .