الشيخ عبد الغني النابلسي

85

كتاب الوجود

في امتناع العلم بحقيقة الواجب بأن العلم هو ارتسام صورة المعلوم في النفس ، فلو كان ذلك لكان الواجب مقولا على تلك الصورة الموجودة في الأذهان ، فيصير كثيرا ، ويبطل التوحيد . وأجيب : بأنا لا نسلم أن العلم بارتسام الصورة ، ولو سلم فلا كذلك العلم بالواجب ، ولو سلم فالمنافى للتوحيد تعدد أفراد الواجب لا الصور المأخوذة منه » « 1 » انتهى ملخصا . وإذا سلمنا أن العلم ليس بارتسام الصورة لا نسلم أن الحكم على الشيء لا يستدعى ارتسام الصورة ، وإذا كانت الصور كلها مخلوقة ؛ فكيف تكون مناسبة للقديم سبحانه حتى يكون الحكم عليها حكما على الحكم - سبحانه وتعالى - والحكم على القديم بالصفات والأفعال « 2 » ، وغير ذلك مقتضى العلم به عند المتكلمين ، فهو ذاهب منهم إلى الحكم على الصور الحادثة . وذلك منهم عين الحكم على القديم عزّ وجلّ ، فاللّه تعالى عندهم هو ما تصوروه بالعقول ، وحكموا عليه بما هم حاكمون به عليه ؛ لأنهم الطائفة الخالية التصويرية ، ومن حكم على شيء تصوره في نفسه من واجب الوجود الحق بأنه واجب الوجود الحق ، ولو من وجه ، فقد وقع حكمه على ذلك الذي تصوره من الوهم المحض والصورة

--> ( 1 ) على الرغم من أن المعتزلة ينكرون رؤية اللّه تعالى بالأبصار ، فإن أبا الهذيل العلاف ، وأكثر المعتزلة يجيزون الرؤية العقلية أو القلبية ، ويقولون : نرى اللّه تعالى بقلوبنا ، بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا ، وقال بعضهم : « إنه يجوز أن يحول اللّه تعالى العين إلى القلب ، ويجعل لها قوة العلم ، فيعلم بها ، ويكون ذلك العلم رؤية له ؛ أي علما له » [ بغية المرتاد لابن تيمية ( 117 ) ] . ( 2 ) قسم أبو حنيفة صفات اللّه تعالى إلى صفات ذات وصفات فعل ، والفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية أن الصفات الذاتية هي الصفات التي يوصف اللّه تعالى بها ، ولا يوصف بأضدادها : كالعلم ، والقدرة ، والصفات الفعلية هي الصفات التي يجوز أن يوصف اللّه بها وبأضدادها : كالخلق ، والرزق ، والإحياء ، والإماتة . وحدد الصفات الذاتية بسبع هي : الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والكلام ، أما الصفات الفعلية فلا حصر لعددها . [ مذاهب الفرق الكلامية ( 320 ) ] .