الشيخ عبد الغني النابلسي
84
كتاب الوجود
وهذا تناقض أيضا ، فإن التصديق بأنه موجود حكم عليه بالوجود ، وكذا التصديق بأنه ليس بمعدم ، والحكم يستدعى التصور ، وأنه تصور وجوده الخاص بحقيقته ضرورة الحكم عليه لا على غيره وإلا لم يكن ذلك حكما عليه ، بل على موجود عام غيره . ثم قوله : لا تصور وجوده الخاص بحقيقته يقتضى عدم الحكم بأن ذلك التصور هو تصور وجوده الخاص بحقيقته ، فيلزم من ذلك عدم الحكم عليه تعالى بأنه موجود ، أو أنه ليس بمعدوم « 1 » ؛ حيث لم يكن هناك تصور وجوده الخاص بحقيقته . ومثال ذلك : مثال من أراد أن يحكم على شيء بحكم فتصوره « 2 » ، ثم قال : إني ما تصورته من حيث وجوده الخاص بحقيقته ، فإنا نقول له : إن أردت بتصور وجوده الخاص بحقيقته ما يميزه عما سواه لم يكن تميز عندك عما سواه ؛ فكيف حكمت عليه والحكم يستدعى محكوما عليه ، متميزا بتصويره عما سواه . ثم قال التفتازاني أيضا : « تمسكت الفلاسفة « 3 »
--> ( 1 ) قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي - من علماء الصوفية - : إنا لننظر إلى اللّه ببصائر الإيمان والإيقان ، فأغنانا ذلك عن الدليل والبرهان ، وإنا لا نرى أحدا من الخلق ، هل في الوجود أحد سوى الملك الحق ؟ وإن كان ولا بد فكالهباء في الهواء إن فتشته لم تجده شيئا . ومن أعجب العجب أن تكون الكائنات موصلة إليه ، فليت شعري هل لها وجود معه حتى توصل إليه ؟ ! أو هل له من الوضوح ما ليس له حتى تكون هي المظهرة له ؟ ! ( لطائف المنن ( 52 ) . ( 2 ) واستكمالا لكلام الشيخ أبى الحسن الشاذلي : وإن كانت الكائنات موصلة إليه فليس ذلك لها من حيث ذاتها ؛ ولكن هو الذي ولاها رتبة التوصيل فوصلت ، فما وصل إليه غير إلهيته ، ولكن الحكيم هو واضع الأسباب ، وهي لمن وقف عندها ولم ينفذ إلى قدرته عين الحجاب . واستطرد قائلا : وكيف تكون الكائنات مظهرة له وهو الذي أظهرها ، أو معرفة له وهو الذي عرفها ؟ ! قلت : يقصد أن هناك فرق بين الخالق والمخلوق ، وليس كما يظن بعض الكافرين الزنادقة من أن الخالق والمخلوق واحد في تعريفهم لوحدة الوجود . ( 3 ) قال في المعجم الصوفي ( ص 196 ) : في مصطلح فلاسفة : هم الذين يعبدون اللّه من حيث أسماؤه سبحانه ، ويعبدونه من حيث إنه حقيقة الوجود ، وما في الوجود مفكر يفكر في اللّه إلا ويعبد اللّه تعالى ، إما على التقييد بالمظاهر والمحدثات ، وإما على الإطلاق ، فمن عبده على الإطلاق فهو موحد ، ومن عبده على التقييد فهو مشرك .