الشيخ عبد الغني النابلسي

67

كتاب الوجود

الحكماء والمتكلمين وخالفهم الشيخ أبو الحسن الأشعري « 1 » فإنه قال : وجود كل شيء عين ماهيته ، ولا اشتراك إلا في لفظ الوجود . ثم قال : ذهب جمهور المتكلمين إلى أن الوجود زائد على الماهيات في الواجب والممكنات خلافا للشيخ أبى الحسن الأشعري « 2 » مطلقا أي : في الواجب والممكن ، فإنه قال : وجود كل شيء عين ماهيته وخلافا للحكماء في الواجب ، فإنهم قالوا وجود الواجب عين ماهيته وجود الممكنات زائد على ماهيتها . ثم قال : اعلم أن زيادة الوجود على الماهية في التعقل على معنى أن العقل إذا تصور الماهية لم يجدها نفس الوجود ولا مشتملة على الوجود بل يجد الوجود غير نفسها وغير داخل فيها فاتصاف الماهية بالوجود أمر عقلي ليس كاتصاف الجسم بالبياض . فإن الماهية ليس لها وجود منفرد ولعارضها المسمى بالوجود وجود آخر فيحل الوجود في الماهية ، كالبياض في الجسم بل الماهية إذا كانت فكونها وجودها ، والماهية إنما تكون قابلة للوجود عند وجودها في العقل ، فلا يكون الوجود زائدا إلا في العقل » « 3 » انتهى كلامه .

--> ( 1 ) بدأت الترعة العقلية تغلب على مذهب الأشعرية حيث عدل علماء الأشعرية عن الاستشهاد بأدلة النقل إلا فيما ندر مرجحين عليه أدلة العقل ، وذلك بداية بالقاضي أبى بكر الباقلاني المتوفى سنة ( 403 ه ) . ويمتد إلى الإمام فخر الدين الرازي ( المتوفى سنة 606 ه ) . وكان من أعلام هذا الوقت عبد القاهر البغدادي ( 429 ه ) ، وأبو إسحاق الأسفرايينى ( 471 ه ) . وإمام الحرمين الجويني ( 478 ه ) وأبو حامد الغزالي ( ت 505 ه ) . مذاهب الفرق الكلامية ( ص 240 ) . ( 2 ) أقام الأشعري منهجه على دعامتى العقل والنقل ، وجعل الصدارة للنقل دون العقل ، وتوافقه على ذلك ؛ لأن الدليل النقلي مصدره الوحي الصادق المعصوم ، أما الدليل العقلي فمصدره العقل القاصر الذي يتفاوت الناس فيه ، - وتحتمل أحكامه الصواب والخطأ ، ومن ثم فإن تقديم العقل على النقل في أصول الدين يمثل خطرا على عقيدة المسلم . الدكتور عبد الحليم محمود في الإسلام والعقل ( ص 8 ) . ( 3 ) يقول ابن رشد وهو بصدد شرحه على أرسطو : " وإنما يصير المعقول والعقل شيئا واحدا إذا عقل ؛ لأن القابل والمقبول من العقل كلاهما عقل . ولذلك كان العاقل والمعقول من العقل يرجعان إلى شيء واحد ، وإنما تتفرق هذه باعتبار الأحوال الموجودة في العقل ؛ وذلك أنه -