الشيخ عبد الغني النابلسي

68

كتاب الوجود

غير أن قوله أن زيادة الوجود على الماهية في التعقل إلى آخره يقتضى أن العقل يمكنه أن يعقل مجردا الوجود وليس الأمر كذلك ، فإن الذي يعقله العقل إنما هو صورة منسوبة إلى الوجود لا هي نفس الوجود ، فإن الوجود من حيث هو وجود لا يقدر العقل أن يتعقله أصلا ، لا أن صورة في صوره « 1 » . ثم إن كلامه يشير إلى ما صرحنا به غير مرة من أن وجود الحوادث إنما هو باعتبار رؤية الوجود الواحد القديم منسوبا إليها ، وهي متصفة به ولهذا لم يرد في اللغة العربية لفظ مشعر بكون الوجود صفة للحوادث ، وأما قولهم موجود فهو صيغة اسم المفعول يعنى ما وقع عليه إيجاد الموجد له فهو موجود أي واقع عليه ذلك الاتصاف العقلي بسبب غلبة الوهم وإلا فلو كان للحوادث صفة الوجود لورود اشتقاق لفظ منه لشيء من الحوادث كما اشتق للأحمر والأصفر لفظ مما اتصف به من الحمرة والصفرة ونحو ذلك . وإنما الوارد صيغة اسم المفعول ، وأيضا فإن الحوادث كلها حتى ذلك الوجود الحادث « 2 » الذي هو زائد عليها عند القائل به يسمى جميع ذلك موجودات ، ومعنى

--> من حيث هو يتصور المعقول قيل فيه إنه عاقل ، ومن حيث هو متصور بذاته ، قيل إن العاقل هو العقل نفسه بخلاف ما يعقل بغيره ، ومن حيث إن المقصور هو المقصور نفسه قيل إن العقل هو المعقول ، وإذا كان العقل منا يوجد تارة قوة وتارة فعلا ، كان ذلك العقل الإلهى يوجد دائما فعلا ، فهو بين أنه أفضل جدا من هذا العقل الذي فينا . تفسير ما بعد الطبيعة ( 3 / 1617 - 1618 ) . ( 1 ) انظر ما تقدم قريبا نقلا عن الشيخ عبد الحليم محمود في كتاب الإسلام والعقل ( ص 8 ) . ( 2 ) ذهب ابن سينا إلى أن الموجود والواحد يدلان من الشيء على معنى واحد زائد على ذاته ، إذ إن الشيء لا يعد موجودا بذاته ، بل بصفة زائدة عليه ، كما ذهب إلى أن الواحد والموجود يدلان على عرض في الشيء . وكشف ابن رشد خطأ ابن سينا قائلا : إن أول ما يلزمه - أي ابن سينا - أن يقال له : تلك الصفة أو ذلك العرض الذي به صار واحدا والموجود موجودا ، هل صار هو أيضا واحدا وموجودا بمعنى زائدا أو بذاته ؟ فإن قال : بمعنى زائد لزم المرور إلى غير نهاية ، وإن قال بذاته ، فقد سلم أنه يوجد شيء واحد بذاته . تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية ( ص 246 ) طبعة دار المعارف .