الشيخ عبد الغني النابلسي
65
كتاب الوجود
هذا العقل المميز « 1 » والغفلة ثم إذا رجع من عالم الوحدة إلى عالم الكون وشعر بنفسه وعاد إليه عقله المميز ، عادت التكاليف كلها وطولب بجميع أحكام الشرع لكونه حاضرا مع الكون ومراتبه فلزمه حكمه ، فإذا جرى حكم عالم الوحدة في حضوره مع الكون ، وحال شعوره بكونه وعقله ، وعاد إلى فرقة بين الخير والشر والألم واللذة ، وأمثال ذلك حيث يقول : رأيت في عالم الوحدة جميع الأشياء شيئا واحدا فليس عندي أمر ونهى ، وحل وحرمة ، وتمييز بين الأشياء ، والكل عندي واحد بلا فرق بين الحل والحرمة كان زنديقا إباحيا الدم " « 2 » انتهى . فلهذا هو سر الشرائع والحقائق كلها ومداره على نسبة الوجود إلى الحوادث ، ونسبة عليه كما ذكرناه . ولهذا كان العقل شرط التكليف وهو أول مخلوق - خلقه اللّه تعالى - كما ذكر العلامة شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي « 3 » - قدّس اللّه سره - في كتابه كشف
--> ( 1 ) روى ابن ماجة في سننه ( 2041 ) 10 - كتاب الطلاق ، 15 - باب طلاق المعتوه والصغير والنائم عن عائشة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر ، وعن المجنون حتى يعقل ، أو يفيق » . ( 2 ) روى مسلم [ 25 - ( 1676 ) ] كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات ، 6 - باب ما يباح به دم المسلم ، عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه : « لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأنى رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس بالنفس والتارك لدينه ، المفارق للجماعة » . ( 3 ) أبو حفص شهاب الدين البغدادي المتوفى سنة ( 632 ه ) وهو صاحب كتاب " عوارف المعارف " . وهناك السهروردي أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك ، ويلقب أيضا بشهاب الدين ، ويوصف بالحكيم . وقيل : إنه ملقب بالمؤيد بالملكوت ، والمشهور به الشيخ المقتول تمييزا له عما سبق ، وبواحد آخر هو السهروردي أبو النجيب المتوفى ( 563 ه ) . أما الملقب بالشيخ المقتول فقد توفى سنة ( 549 - 587 ) . انظر التصوف الفلسفي ( ص 20 ) . يقتضى مذهب ابن عربى في وحدة الوجود عدم القول بالممكن في مقابل الواجب ، أعنى الممكن بمعنى الموجود المتغير الحادث ، والذي إذا نظر إليه من حيث هو وكان معدما ( والممكن هو ما كان -