الشيخ عبد الغني النابلسي

62

كتاب الوجود

في كتابه : ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) « 1 » انتهى . وهي صفة الرحمانية التي استوى اللّه - تعالى - بها على العرش في قوله : ( الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ) « 2 » . فحقيقة هذا الوجود الثاني في ظهوره بالحوادث كلها راجعة إلى ما ذكرنا ، ونسبة الحدوث إليها إنما ذلك في نظر العقل حيث غلب عليه الوهم ، فجعلها صفة للحوادث ، وهي إنما هي صفة « 3 » راجعة إلى ذلك الوجود القديم ؛ لأنه هو الظاهر بها دون غيره في نفس الأمر ، وهي الذكر المحدث كما قال تعالى : ( وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ ) . فقد أسماه اللّه تعالى محدثا باعتبار إتيانه ، كما يقال حدث اليوم عندنا ضيف أي حدثت له صفة « 4 » الضيفية في عنديتنا لا أنه هو حدث في نفسه ، وهذا هو نزول

--> ( 1 ) سورة الزخرف : 4 . ( 2 ) سورة طه : 5 . ( 3 ) روى مسلم في صحيحه [ 24 - ( 2756 ) ] كتاب التوبة : 4 - باب في سعة رحمة اللّه تعالى ، وأنها سبقت غضبه عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : " قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر ، فو اللّه لئن قدر اللّه عليه ليعذبنه . . . الحديث . قال النووي : قالت طائفة : هذا الرجل جهل صفة من صفات اللّه تعالى ، وقد اختلف العلماء في تكفير جاهل الصفة قال القاضي : وممن كفره بذلك ابن جرير الطبري ، وقال أبو الحسن الأشعري أولا : وقال آخرون : لا يكفر بجهل الصفة ، ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها ، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري وعليه استقر قوله . انظر شرح مسلم للنووي ( 17 / 59 - طبعة دار الكتب العلمية ) . ( 4 ) واستكمالا لكلام النووي : ولو سئل الناس عن الصفات لوجد العالم بها قليلا . وقالت طائفة : كان هذا الرجل في زمن فترة حيث ينفع مجرد التوحيد ولا تكليف ، قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله تعالى : ( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) . وقالت طائفة : يجوز أنه كان في زمن شرعهم فيه جواز العفو عن الكافر بخلاف شرعنا . وذلك من مجوزات العقول عند أهل السنة ، وإنما منعنا في شرعنا بالشرع وهو قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) . * وغير ذلك من الأدلة واللّه أعلم . شرح مسلم للنووي ( 17 / 60 - طبعة دار الكتب العلمية ) .