الشيخ عبد الغني النابلسي

50

كتاب الوجود

الوجود الواحد القائم بذاته في مراتب أسمائه وصفاته المقوم لجميع مخلوقاته ، وليس مخلوقا من المخلوقات أصلا ، قائما بنفسه ولا بوجود آخر غير وجود اللّه تعالى ، فإنه ليس ثمة وجود غير اللّه تعالى أصلا ، فلا ينافي قولنا هذا ما قاله الإمام النسفي في عقائده حقائق الأشياء ثابتة ، والعلم بها متحقق . فإن معنى ذلك أن حقائق الأشياء ثابتة باللّه تعالى الذي هو الوجود الحق لا أنها ثابتة بنفسها ، وكذلك كون العلم بها متحققا أي : هو متحقق باللّه تعالى الذي هو الوجود الحق لا متحقق بنفسه ، وأما خلاف السوفسطائية « 1 » ، فإنه مذهب باطل ، وقول فاسد عاطل ، لا يتوهم مسلم من المسلمين أبدا أنه يشابه قولنا أو يضارع ما ذهبنا إليه نحن وأئمتنا العارفون باللّه تعالى - قدّس اللّه تعالى أسرارهم . قال السعد التفتازاني - رحمه اللّه تعالى - في شرح عقائد النسفي عند قوله خلافا للسوفسطائية : فإن منهم من ينكر حقائق الأشياء ، ويزعم أنها أوهام وخيالات باطلة وهم العبادية « 2 » ، ومنهم من ينكر ثبوتها ، ويزعم أنها تابعة للاعتقادات وهم العقدية ، ومنهم من ينكر العلم بثبوت شئ ، وهم اللاثبوتية . . . إلى أن قال : والحق أنه لا طريق إلى المناظرة معهم خصوصا اللاإرادية ؛ لأنهم لا يعترفون بمعلوم ليثبت به مجهول " . انتهى ملخصا .

--> ( 1 ) السوفسطائية : هؤلاء هم مبطلو الحقائق من المتكلمين ، فالمتكلمون ثلاثة أصناف : فصنف منهم نفى الحقائق جملة ، وصنف منهم شكوا فيها ، وصنف منهم قالوا هي حق عند من هي حق عنده ، وهي باطل عند من هي عنده باطل ، وعمدة ما ذكروا من اعتراضهم فهو اختلاف الحواس في المحسوسات كإدراك المبصر من بعد منه صغيرا ومن قرب منه كبيرا ، وكتذوق المريض بالصفراء حلو الطعام مرا ، وكرؤيا الرائي أنه في بلاد بعيدة . ( انظر موسوعة الفرق والجماعات : ص 25 طبعة دار الرشاد ) . ( 2 ) العبادية : اتباع عباد بن سليمان العمري ، وكان يقول : المعلومات معلومات من قبل كونها ، والمقدورات مقدورات قبل كونها ، والأشياء أشياء قبل أن تكون ، وكذلك الجواهر والأعراض والأفعال ، ويحيل أن تكون الأجسام أجساما قبل كونها ، وكذلك المخلوقات والمفعولات ، وفعل الشيء عنده غيره ، وكذلك خلقه غيره ، وكان إذا قيل له : أتقول إن هذا الشيء الموجود هو الذي لم يكن موجودا ؟ قال : لا أقول ذلك . وإذا قيل له : أتقول إنه غيره ؟ قال : لا أقول ذلك . ( المرجع السابق ص 289 ) .